تشير الدراسات إلى أن نصف السوريين اضطروا لترك منازلهم منذ نهاية عام 2011 حتى اليوم، وقد بلغ عدد المهجرين قسريًا والنازحين داخليًا قرابة 8 مليون، والرقم غير مستقر نظرًا لعدم استقرار النازحين، ومنهم حوالي 900 ألف نازح في الشمال السوري يحاولون التأقلم مع ظروف نزوحهم القلقة والمهددة باستمرار ويقيمون في مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحماية والحياة، بدأت معاناتهم الكبرى من لحظة ترحيلهم القسري وقطعهم عن جذورهم بطريقة أشبه بيوم القيامة وساعة الحشر، حيث غادروا بيوتهم وأراضيهم التي وفرت لهم مقومات حياتهم وحاضنات أحلامهم والتي باتت اليوم قلقة ومتحركة بكل الاتجاهات باستثناء اتجاه الأمام.

وبعدما انتهى بهم المطاف ليقيموا في تلك الخيام، لم تتوقف حروبهم من أجل الحياة، والمواجهات مع أقدارهم يومية وطارئة وموسمية، حيث يلهث رب الأسرة بكل ما لديه من قوة وصبر لتأمين قوت اليوم غاضًا البصر عن طبيعة وظروف سعيه لتأمين سبل العيش وغالبًا ما تكون مزيجًا من ساعات عمل متقطع وسلة المساعدة المحفوفة بالأذى والذل والتي كثيرًا ما تترك آثارًا نفسية واجتماعية أبلغ من أثر الجرح.

والمواجهة الكبرى مع ظروف الطبيعة وقسوتها والتي تتكرر في كل موسم شتاء، فكيف لخيمة القماش أن تجابه السيول وتعارك المطر وتجادل الرياح العاتية وتهادن العواصف، إنها معاناة كل شتاء، وإنها موسم الكشف والانكشاف حيث يتعرى كل شيء.. ابتداءً من أطفال المخيمات وسكانها الضحايا ومرورًا بمن يملكون سلطات أمر الواقع في الشمال السوري وانتهاءً بالادعاءات الانسانية الدولية والأممية، ولا أنسى السوري الذي اضطربت هويته واصطف وتخندق بعيدًا عن إنسانيته وسوريته وأصبح يصدّر وجهة نظره بمعاناة سكان الخيام حاله حال الغريب ولا يبدو أنهم من بقية شعبه.

أحاول تكرار توجيه هذا النداء – بكل يأس – إلى آذان صماء وعيون عمياء، وبالمقام الأول إلى الإعلاميين ووسائل الإعلام، ولاسيما التي تدّعي تمثيل الشعب السوري وقضيته، كفاكم تجترون تقاريركم المكررة والمقصوصة على مقاسات داعميكم، فالإعلام الذي لا يزلزل ضمائر الكون والإنسانية انتصارًا لحقوق شعبه ولكرامتهم التي تهدر في كل موسم شتاء وموسم تهجير وموسم خفض للتصعيد، فليلتزم صالونات المديح والهجاء المأجور ولا يدنس قضية شعبنا حتى بذكرها خبرًا خامسًا في الترتيب.

والنداء يكون لكل هياكل المعارضة الرسمية وغير الرسمية، ماذا لديكم بهذا الشأن، هل ستندبون وتتأسفون لحال هؤلاء المشردين وتطلبون من الله تغيير مسار الشتاء، هل هذا أسهل لديكم من التواصل مع داعميكم ومع الهيئات الدولية وطلب وضع حد لهذه المأساة المستمرة؟

والنداء يكون للمنظمات العاملة في الشمال السوري، أليس هذا موسم لكم لكسب المزيد من المشاريع؟ كيف كنتم تقنعون الممول والمانح طيلة ثماني سنوات وتنفذوا مشاريع بناء القدرات وتدريب الدجاجة على رسم دائرة حول صيصانها، وعجزتم عن التكسب من مشروعات الخيام؟

النداء يكون للمنظمات الدولية والأممية والتي تعلن عن المضمون الإنساني لأعمالها، هل تغيرت وتبدلت معايير وتصانيف الإنسانية لديكم، وهل لا ينطبق على شتاء سكان الخيام؟

والنداء الأخير للسوري الذي لازال يؤمن بسورية، أينما كنت في بلدان اللجوء وحسب الأمم المتحدة هناك 7 مليون سوري منتشرين في 45 دولة حول العالم، وأخص بالذكر الأكاديميين والشباب الباحثين والطلاب والناشطين الإعلاميين وقادة الرأي والمؤثرين، أو في الداخل السوري وعلى امتدد الأرض السورية، تجاوزا كل الحدود الوهمية بدواخلكم وتعاطفوا مع أخيكم السوري في الخيام، آزروه بكلمة حق وذلك أضعف الإيمان، هو يدفع عنكم الثمن، ولن تجدوا يدًا تساندكم غير يده أو صوتًا يؤازركم غير صوته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد