في أوج اللجوء السياسي لبعض العائلات السورية، التي اختارت أوروبا عبر القوارب، تاركةً البلاد ليعمرها الإرهابيون وميليشيات المرتزقة، والجماعات الدينية التكفيرية، توّجه العالم بعيونه المفتوحة على آخرها إلى صورة «إيلان»، الطفل ذي الربيع الثالث، وهو مستلقى على بطنه بلون بذلته الحمراء والزرقاء، بعد أن لفظه البحر، حسب ما اتفقت عليه وروجت له الصحافة. حدث هذا في ثاني أيام أيلول قبل سنتين.

انجرفت سيول بشرية متتبعة بقلق الشأن العربي، على رأسه القضية السورية، واختلط الحابل بالنابل، أظهر بما لا يدع مجالًا للشك، أن الإنسان العربي في حاجة كبيرة إلى تحصين نفسه، من سيف الإعلام السمعي البصري، الذي يغدق على المتلقي بملايين المعلومات المسمومة، بغلاف معسل، تستعمل فيها الخبر الوجيز أو ما يسمى بلغة الإعلام بالقصاصة، وتستعمل فيه أيضًا الصورة، التي تلعب دور نصف الخبر المكتوب أو المقروء، والأقرب إلى الفهم والمعالجة الحينية، ثم تستعمل فيها أيضًا لغة صحافية جد حذرة ومنتقاة بعناية من أجل عدم ترك فرصة لتأويل المعلومة وإخضاعها لقالب لغوي آخر بسيط، يجعل المتلقي يجيب به ومن خلاله على أسئلته البسيطة كذلك.

وُضع إيلان كأنّ البحر لما جَزر، أخرج جثته بتلك الصورة التي قطعت قلوبنا، وكانت الصورة لما انتشرت في وسائل الإعلام تزامنت مع نقاش كبير حول وضعية اللاجئين في أوروبا، وبين دول قبلت بهم وأخرى رفضت الأمر، رغم عمليات التصويت (واجهة الديمقراطية الغربية) والاستفتاء الذي نهجته بعض الدول، صعد صوت اليمين في أوروبا الذي حشد الجماهير للتظاهر من أجل ترحيل اللاجئين وإغلاق الممرات أمامهم.

رافقت مظاهراتٌ ووقفات كثيرة صورة إيلان الطفل، وفي المغرب ما زلتُ أذكر أني كنت متفاعلًا جدًا مع وقفة رمزية دعا إليها نشطاء بانتماءات مختلفة، كانت الفكرة هي تجسيد موت إيلان على رمال شاطئ الأوداية بالعاصمة الرباط، لمدة 15 دقيقة، وبنفس بذلته، على غرار عواصم 3 دول أخرى، إن كنتُ أذكر، وكان ذلك في سادس سبتمبر ( أيلول) 2015.

لا يمكن إنكار هذا التفاعل الوجداني مع الحدث، ولكن وقعت أحداث أكثر ألمًا هنا في المغرب، ولا أحد فكّر – على الأقل الذين يرابطون في مدن المركز – في نشر حتى هاشتاغ من أجل حشد الجماهير للتعبير والنزول ميدانيًا إلى شوارع المدن.

في يوم الثلاثاء 11 أبريل (نيسان) الحالي، توفيت طفلة بعمر إيلان، أي ثلاث سنوات، نتيجة إهمال طبي، وغياب لأجهزة الكشف، اسمها إيديا وهو اسم أمازيغي، تقول العائلة التي نقلت القصة كاملة إلى الصحافة، إن الطفلة إيديا كانت تلعب وسقطت من على أسلاك متواجدة بقرب واد بقريتها التي تسمى تيزكي قرب مدينة تينغير في الجنوب الشرقي للمغرب، استدعت حالتها الحرجة نقلها إلى مستشفى بمدينة تينغير، ثم إلى مستشفى آخر بمدينة الراشيدية، وبسبب غياب جهاز الكشف، تم إرسالها على وجه الاستعجال إلى المستشفى الجامعي بمدينة فاس، حيث قطعت الطفلة أكثر من 400 كيلومتر، تقاوم نزيفًا داخليًا على مستوى رأسها الصغير، وكسورًا ورضوضًا. في المستشفى الجامعي بفاس، وفي أقل من ساعة من الزمن؛ لفظت إيديا أنفاسها الأخيرة.

أصدرت الوزارة الوصية على القطاع، بعد خمسة أيام من وقوع المأساة، بيانًا تنصلت فيه من كل مسؤولياتها، وقالت إن وزير الصحة اتصل شخصيًا بالأسرة المكلومة، ليقدم لها العزاء ويعبر لها عن تأسفه مما حدث، وفي ما تبقى من مضمون البيان، كان عبارة عن «تصور» وبرنامج عمل للوزارة واستعراض منجزاتها. وجثة إيديا لم تتحلل بعد.

المغاربة الذين اطلعوا ويطلعون على تاريخ بلادهم، مباشرة بعد ما سمي بالاستقلال يعرفون جيدًا ماذا قدمته مناطق الجنوب الشرقي، من مقاومة وتضحيات من أجل قضية التحرر الوطني، والسجل الحقوقي مليء بإنجازات قدمها رجال ونساء المنطقة على امتداد عقود ما عرف في المغرب بسنوات الجمر والرصاص، دفعوا يومها ثمن السجن والنفي والتعذيب من أمثال «امبارك أوزين من أيت سدرات تودغى – ايشون تعطا من أيت مراو امكون – حمو العجين من تزكين – موحا حمو المعرير من اسليلو نايت أونير – احسو نايت عيسي الحارة ندادس – سعيد الخندوف الغفراوي من تلوين – أشرماط وغيرهم وكلهم قادوا معارك ضد الكلاوي مكبدين خسائر في أرواح خدام المعمر: قتل الشيخ ازركو نايت حمو، أو القيام بعدة حملات ضد الكلاوي ابتداء من 1929 إلى غاية 1956 والمشاركة في معركة الخميس 1955» واليوم يدفعون الثمن كذلك في شكل آخر، وهو العزلة التامة، والحصار الجغرافي، والفقر والهشاشة ونهب خيرات الجنوب الشرقي، وغياب المؤسسات، وغياب الخدمات العمومية، من مستشفيات ومدارس ومحاكم ومفوضيات للأمن، إلى غير ذلك من أشكال القمع والاستبداد الجديد، وما موت إيديا اليوم إلا صورة حقيقية، تعكس واقع الجنوب الشرقي للمغرب، وما يعانيه من سياسات طبقية مقصودة بنية الانتقام من كل تاريخهم البطولي المجيد والحافل.

لأن إيديا ليست إيلان، ولأن إيديا ماتت في البراري والقفار، بعيدًا عن عدسات البي بي سي وفرانس 24 وشبكات الجزيرة، وعن مفاوضات الاتحاد الأوروبي، ولأن صورتها الإعلامية لن تخدم أحدًا من هؤلاء، اكتفينا بالعزاء عبر حساباتنا على شبكة التواصل، وقلنا ما قالته وزارة الصحة، لله ما أعطى ولله ما أخذ.

نحتاج هذا الوطن أن يكون ملاذًا، وأن يسع الجميع، دون ذرة تفاضل، وأن تنكّس أعلامه عند كل فاجعة، وأن يقدّم كل مسؤول نفسه للعدالة إذا ثبت تقصيره أو توريطه. وكل هذا لن يأتي ما دمنا ننخدع بالإعلام الموجه، وبكلام كل المأجورين، وباعة الوهم المقدس، وتجار الدين. والمسؤولية ملقاة اليوم أكثر من أي وقت آخر على الشباب من أجل تحصين نفسه أولًا، ثم الانخراط الكافي في تحويل النقاش العام، والتأثير فيه بالنقد والتحليل العلمي، والتفاعل بالحجة والدليل، لأن الرهان اليوم رهان على المنطق والعقل، زمن زغلول التافه انتهى.

«إن مسؤوليتي ليست في أن أطلب من أي رئيس أن يسمح للسوريين بأن يدخلوا بلده ويصبحوا لاجئين فيه. مسؤوليتي هي استعادة الاستقرار كي أعيدهم إلى سوريا ليجدوا ملاذًا في بلدهم».

بهذه المسؤولية الكبيرة، يردّ بشار الأسد على أحد محاوريه في مقال على «ياهو نيوز».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد