منذ قيامها تسعي إسرائيل الدولة اليهودية لفرض نفسها بالقوة وسط مجتمع عربي مسيحي مسلم، إلا أنها تصطدم حينًا بحائط صد من الثقافة والهوية العربية التي تقف ضد التهويد، وتصطدم أحايين كثيرة بحركات المقاومة والممناعة التي تجدها من المجتمعات في الدول العربية من حولها، هذا غير سياسات بعض الدول العربية الرافضة تمامًا لفكرة وجود إسرائيل، هذه السياسات التي ما لبثت أن تغيرت، وصارت هناك مرونة أكبر في التعاطي مع هذه القضية، والتي جاءت نتيجة لميل بعض القادة العرب للتودد لإسرائيل على أمل أن تنال رِضا الإدارة الأمريكية.

تاريخيًا عُقُدت الكثير من التفاهمات والاتفافات مع إسرائيل من طرف بعض الحكومات العربية، فمصر وقعت اتفاقية كامب ديفيد التاريخية واضعة بذلك حد للمواجهة العسكرية مع إسرائيل، ولكن فصول هذه المواجهة انتقلت لتتولاها جبهات أخرى، فالمجتمع المصري كان رافضًا لفكرة توقيع اتفاقية مع إسرائيل، بالرغم من محاولة أدْلَجتَهُ لتقبلها من قبل الحكومة لينقل المجتمع هذا الصراع إلى ميدان الفن لتنتج العديد من الأفلام، والأعمال الفنية التي ترسخ لمبدأ مقاومة الكيان الإسرائيلي المحتل، وقد تغنى الفنانون والمطربون  الشعبيون كذلك لذات الغرض، مع بزوغ شمس الربيع العربي وتغيير نظام الحكم تنفس المصريين الصعداء وجاهروا بمعاداة إسرائيل، وفي ذكري حربها معها حلقت مقاتلات حربية فوق سفارة إسرائيل بالقاهرة لتأكيد هذا التوجه الشعبي، ولكن عودة مصر مرة أخرى لحكم أحد أفراد المؤسسة العسكرية أعاد التوجه الشعبي لنفس سياسة المهادنة القديمة، وذلك بالرغم من صعود تيارات سياسية ذات توجه إسلامي سابقًا.

أما في بلاد الأرز فما زال الشعب اللبناني يتذكر منظر الدبابات الإسرائيلية وهي تجتاح بيروت وهو ما خلّف جرحًا غائرًا في المجتمع اللبناني يأبى أن يلتئم، نظرة لصعوبة التركيبة السياسية الحاكمة في لبنان وتوزع مراكز صناعة القرار بين المسيحين والمسلمين الشيعة والسنة صار من الصعب توجيه الشعب لحرب على أساس ديني، لذلك صار لِزاما علي المجتمع أن يلتف حول قضية أكبر، مثل الأرض والعِرض، لتكوين جبهة داخلية موحدة ضد إسرائيل، نظرًا للِحراك الثقافي الكبير في الدولة اللبنانية صارت هناك تجاذبات في الحركة الثقافية بين لبنان وإسرائيل التي تسعى للدخول عبر بوابات التبادل الثقافي مع جيرانها العرب.

طوال فترة حكم آل الأسد لسوريا ظلت إسرائيل واضعة يدها على أراضي الجولان السُوري المحتل، بالرغم من قوة الجيش العربي السُوري وتصنيفه من أقوي الجُيوش العربية، مما يدل على ضعف القرار السياسي، وعدم رغبة السياسيين السوريين في خوض صراع مسلح لاستعادة أرضهم المحتلة، مع قيام الثورة السورية، وتفكيك الترسانة الكيميائية السورية تنفست إسرائيل الصعداء وأمِنت جانب سوريا، حتى أنها بدأت بالتخلص من مخزونها من الأقنعة المُخصصة لمواجهة الحروب الكيميائية، ولكن مع صعود تيارات سياسية ومسحلة ذات توجه إسلامي مشكلةً خطرًا عليها، وجدت إسرائيل نفسها في خضم الصراع السوري، وأدت الضربات المتكررة التي وجهتها لسوريا الي توحيد جزئي للمجتمع السوري وتثبيت صورة إسرائيل كعدو في مخيلته، وهو ما أدى إلى ترسيخ هذا المبدأ وتأصيله في الفن والثقافة وحركة المجتمع السوري.

في المحصلة فإن التطورات التي صاحبت عملية التغير في الساحة السياسية العربية وصعود تيارات سياسية جديدة تختلف في توجهاتها من أقصى اليسار إلى اليمين المتطرف وحركات الإسلام السياسي التي تتبنى النهج الراديكالي قد أدت إلى تغيير نظرة المجتمعات العربية تجاه إسرائيل، ثقافيًا لطالما كان يُنظر للإنتاج الثقافي الإسرائيلي على أنه سموم تُنتِجه الأفاعي لِتسميم الجسد العربي، ولكن ما لبثت هذه المفاهيم أن تغيرت، حيث صارت عناوين الصحف الإسرائيلية البارزة مادة دسمة للمحللين السياسين العرب يتناولونها في نشرات الأخبار على القنوات العربية، هذا غير الأفلام التي يشترك في التمثيل فيها ممثلون عرب جنبًا إلى جنب مع أشباههم من إسرائيل، وهو ما يمثل نقلة في نظرة المجتمع العربي للفن وتأثيراته على الشعوب، حيث أصبح أكثر تقبلًا لمشاهدة أعمال فنية يشترك في إنتاجها والتمثيل فيها ممثلين يُصنفهم الكثير من العرب أعداءً.

وعلى صعيد المجتمع الإسرائيلي فإن مراكز الأبحاث اليهودية ما زالت تنشط في قياس توجهات الرأي العام للمجتعمات العربية من حولها، وذلك لدراسة تأثيرات التغيرات السياسية وصعود بعض التيارات على نظرة هذه المجتمعات لإسرائيل وتقبلهم لها، وبالرغم من ثبات النظرة العدائية للمجتمع اليهودي في إسرائيل تجاه محيطه العربي فإنه يتوقع بالمقابل أن تبادله المجتعمات العربية نظرة الرضا، وهي تحمل باقة من الورود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد