تخيّل لو أنّ أبا لهب وُلِدَ في القرن العشرين من أبوين مسلمين وفي بلد مسلم، ويتسمى بأسماء المسلمين، ترى كيف سيكون حاله؟

هل سينادي لهُبَل؟ هل سيضع في صالونه صنمًا يسجد له ليل نهار؟ أم تراه يعيش مسلمًا مع المسلمين؟

تتمة للموضوع السابق الذي تحدثنا فيه عن «عمر وبيتر والحظ العاثر» أين طرحنا فيه إشكالية البيئة وتأثيرها في حقيقة البشر، خلصنا إلى نتيجة مفادها أن البيئة لا دخل لها في الموضوع بتاتًا، كون بِيتَر وُلد في بيئة الإلحاد لا يعني بالضرورة أنه يعيش ملحدًا، كما أن عُمَر الذي عاش في بيئة الإسلام ومارس بعض طقوسه لا يجعل منه مسلمًا بالضرورة، وهذا من تمام عدل الله تعالى.

من هذه النقطة ينبثق إشكال يُطرَحُ بشدّة وهو: أين عدل الله إذن في الغنى والفقر، وفي الصحة والمرض، وفي الأمان والخوف؟

جواب هذا السؤال في الحقيقة بسيط، وهو أنّ تلك الاختلافات المذكورة سابقًا لا علاقة لها بالإيمان والكفر، فهل كونُ الإنسان فقيرًا يجعلُه كافرًا؟ هل الغِنَى يَدفع الإنسانَ للإيمان؟ هل للصحة دخل في الطاعة؟ أم للإعاقة دور في العصيان؟ هل الأمان والرخاء يساعد على الإلحاد؟ طبعًا لا، إذن لا يصحّ أن نُطالب الله تعالى بالعدل في هذه الأمور، ففي نفس المجتمع تجد شخصًا غنيًا طائعًا وآخر فاسقًا، تجده تحت القنابل والبراميل المتفجرة ماجنًا، وتجد الآخر بجانبه تقيًا ورعًا وهلمّ جرّا، إن أراد شخصٌ الإيمانَ فسيكون مؤمنًا، ولو عاش فقيرًا مريضًا وفي رعب دائم.

بين الاقتناع والتقليد فرق شاسع

حسنًا، أنت وُلدت مُسلمًا وتربيت على الإسلام فترة معتبرة من حياتك حتى كبرت، الآن وقد تجاوزت مرحلة البلوغ حاول أن تتساءل: هل أنا أمارس الدين عن فهم أم عن تقليد؟ ولكي نفهم القصد من هذا السؤال دعونا نعُد إلى أبي لهب.

هذا الشخص الذي عاش في عهد الرسول عليه السلام وفعل به وبالمسلمين الأفاعيل، حتى أن الله تعالى أنزل سورة يلعنه فيها باسمه إلى قيام الساعة «تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وتَبْ»، هذا الشخص لو تجاهلنا اعتبار الزمان والمكان وافترضنا عيشه في بيئة الإسلام ومن أبوين مسلمَيْن كيف سيكون حاله يا ترى؟ طبعًا من السذاجة أن يظنّ أحدهم أنّ أبا لهب سيكون مؤمنًا تقيًا ورعًا لو وُلد في القرن العشرين، في حين أنّه مات عدوًّا لله، فنفسية أبي لهب تبقى نفسها هناك أو هنا.

إذن، أتُراه سيكفُر بهذا الدين ويُلحد أم سيعيش مسلمًا بالظاهر ويمارس بعض الطقوس؟ في الحقيقة كلا الاحتمالين وارد، قد لا يروق له هذا الدّين فيكفر به صراحة، لكنّه سيجد صعوبة كبيرة في العيش داخل هذا المجتمع المسلم، سيعتبرونه مرتدًّا كافرًا ويعيش على الهامش ويُشيرون إليه بأصابعهم كما يحدث الآن مع الملحدين، سيفقد العديد من أصدقائه وتتوتّر علاقته مع أهله ومعاشريه، مجاهرته بالإلحاد ستُكلّفه كثيرًا، وفي الغالب لن يُخاطر بذلك.

الاحتمال الأرجح أن يظلّ مسلمًا كي يحافظ على مكانته في المجتمع، وعلى علاقاته مع أسرته وزملائه والمحيطين به، سيذهب إلى المسجد الجامع يوم الجمعة مع زملائه، سيصوم عن الأكل في رمضان مع أهله، قد يساهم في إفطار الصائمين كذلك، سيذهب للعمرة مرّة ومرّات، سيحصل على لقب حاجّ ربّمَا، لكن المؤكّد أنّه لن يطبّق الدين كما يجب لأنّه أبو لهب، فهو غير مقتنع بهذا الدين من أساسه، ولهذا ستجد مظاهر عديدة للعصيان في سلوكه.

ستجده غارقًا في الربا حتى أذنيه، لن يتورّع عن دفع الرشاوى وشراء الذمم، سوف لن يؤدّي لليتامى أموالهم، يعيش تاركًا للصلاة أو يتهاون بها، قد يستحوذ ببساطة على ميراث أبيه ويحرم أخواته من نصيبهن، لن يتردّد في السرقة ما وجد لذلك سبيلًا، لن يجد حرجًا في الزنا ومعاقرة الخمر، وهكذا.

أبو لهب سيكون كذلك على الأرجح، وهذا ما نسمّيه بالنّفاق، فما دام غير مقتنع بهذا الدين ولا يجرؤ على إعلان الكفر الصريح مخافة ردّة فعل قومه، وحفاظًا على مصالحه، سيحاول أن يمارس من الدين الحدّ الأدنى، يعني باختصار سينافق.

حسنًا، سنطرح هنا سؤالًا بريئًا: كم من المسلمين يعيشون في المجتمعات الإسلامية لكن تصرفاتهم وتفكيرهم لا يختلف كثيرا عن أبي لهب؟ يعني كم من أبي لهب بيننا؟

في العالم الإسلامي هناك الملايين من الذين يعلنون انتماءهم إلى الإسلام. لكنّهم عمليًّا لا يلتزمون به، ما مشكلتهم يا ترى؟ فيمَ يفكّر تارك الصّلاة وهو يعلم أنّ عماد الدين الصلاة؟ على ماذا يُعوّل ذلك الذي يعيش في الربا حتى الذقون وهو يعرف أنه في حرب مع الله؟ ماذا عن آكل مال اليتيم والأجير بغير حقّ؟ ذاك الزاني ومدمن الخمر؟ هل اقتنعوا بهذا الإسلام فعلًا أم ربّما يسايرون مجتمعهم فقط، نشأوا على الإسلام تقليدًا واستمرّوا فيه دون فهم أو اقتناع، بعبارة أخرى لو افترضنا أنّ هؤلاء وُلدوا في زمن أبي لهب، لو خلقوا في روسيا أو تَلْ أَبِيب هل سيؤمنون؟ هل سيقتنعون بهذا الدين؟

على الأرجح لا، فسلوكهم يدلّ حتمًا على أنّ ممارستهم لبعض طقوس الإسلام كانت من أجل أن يظلوا في دائرة المسلمين فقط، هم لم يفهموا هذا الدّين، لا يقومون بتلك الأمور اقتناعًا بقدر ما يمارسونها تقليدًا ونفاقًا.

متى ظهر النفاق؟

متى بدأ القرآن يتحدث عن النفاق والمنافقين؟ هل عانى الرسول من المنافقين في العهد المكي أيام كان المسلمون مستضعفين؟ لا أبدًا، فلا وجود للمنافقين في تلك الفترة لأنه لا داعي للنفاق أصلًا، ما دام الكفرُ هو الأقوى، فمن كان مؤمنًا حقًّا سيظلّ كذلك ولو عذّب ونُكّل به كعمّار بن ياسر، وسُمَيّة، والخَبَّابُ وغيرهم، أما الآخرون فهم على الكفر كباقي قريش يجاهرون بهُبل ولا يخافون أحدًا، ولا وجود لصنف ثالث بينهما، لكن الأمر يختلف تمامًا في العهد المدني.

لم النفاق؟

كان أغلب أهل المدينة في عهد الرسول عليه السلام مسلمين حقًّا، لكن المؤكّد أنّ هناك صنفًا من الناس لم يُعجبهم هذا الدين ولم يقتنعوا به فما تراهم فاعلون؟ لو أعلنوا كفرهم بهذا الدين فسيطردون من المدينة في أحسن الأحوال، هم يريدون أن يظلوا في المدينة ويحافظوا على نمط حياتهم وعلاقاتهم وتجارتهم فما هو الحل يا ترى؟ الحل في النفاق، لا بأس أن يتظاهروا بالإيمان ويمارسوا بعض طقوسه، لا بأس أن يُصلوا مع المصلين ويصوموا مع الصائمين، لكنّهم لن يستطيعوا الالتزام بتعاليم الإسلام كما يجب لأنهم لم يقتنعوا به ولم يؤمنوا به، هكذا كان المنافقون على عهد رسول الله، «لا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى ولا يُنفقون إلاّ وهم كارهون»، ويختلقون ألف حجة كي يتخلّفوا عن الجهاد «إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يتردّدون»، لاحظ هذه الآيات من سورة التوبة نفت عنهم الإيمان تمامًا ولو ادّعوا بلسانهم، هؤلاء لن يختلفوا عن أبي جهل وأبي لهب لو عاشوا معهما في مكة، ربما سيكونون من أشرس الذين يحاربون الإسلام.

ما هو النفاق؟

إذن يمكن أن نُقدّم وصًفا أوضح للمنافق، وهو شخص لم يؤمن بالإسلام من أساسه، أو ادّعى الإيمان لكن لم يقتنع ببعض تعاليمه فاختار ما يريد ورفض ما لا يريد، هذا الشخص على الأرجح سيكون بوذيًّا لو عاش في الهند، أو مسيحيًّا لو عاش في الفاتيكان أو ملحًدا لو عاش في روسيا، وسيكون مثل أبي لهب لو عاش زَمَنَ قُريش، وبما أنه عاش في بيئة مسلمة فهو يُنافق.

هل النفاق ملّة واحدة؟

أعرف أنّ هناك من سيعترض بأقوال علماء أو أحاديث يبيّن فيها أنّ النفاق في عهد رسول الله عليه السلام يختلف عن النفاق الآن، فالذين عاشوا في عهد الرسول هم كفار يُضمرون الإيمان عكس الذين يعيشون في هذا العصر يؤمنون بالإسلام دينًا وبالله ربًّا لكنّهم يتهاونون في الالتزام بالدّين، وبالتالي هم مؤمنون عُصاة، وقد يدّعي أحدهم أنّ أوصاف النفاق في القرآن تخُصُّ منافقي العقد الأول ولا تعنينا نحن! وهنا نتساءل ببراءة ما فائدة القرآن أصلًا إن كان يتحدّث عن بشر عاشوا في الماضي السحيق؟ هل القرآن كتاب روايات مثلًا؟

طبعًا لا أريد أن أدخل في الجدال الاصطلاحي والتعريفي وليس هذا الهدف من المقال، لكنّي أجيب بطرح نفس السؤال السابق: لو عاش أبو لهب وأبو جهل في هذا العصر من أبوين مسلمين وفي بيئة الإسلام كيف سيتصرفون؟

ماذا لو قلبنا المعادلة؟

بصيغة أخرى لو عاش هذا المؤمن العاصي «تارك الصلاة أو مدمن الخمر أو آكل اموال الناس بغير حق» في زمن أبي جهل وأبي لهب عندما كان هُبل هو الإله وكان الكفر هو الأقوى، هل سيدخل هؤلاء الإسلام ويلتزمون بتعاليمه ويتحملون العذاب وأذى قريش أم سيظلون يُسبّحون لِهُبَل؟

هناك بعض هؤلاء العُصاة يُحدّثك ويتمنى أن لو عاش في ذلك الزمن الجميل مع رسول الله صلوات الله عليه، ويكاد يجزم أنّه سيكون أفضل حالًا ويعيش زاهدًا تقيًا ورعًا خير له من العيش في هذا الزمن المليء بالمغريات والملذّات؟

في الحقيقة هذا الكلام يَصحُّ أن يكون نكتة قبل أن يكون كلامًا موزونًا، إذ كيف يَضْمَنُ هؤلاء أن يكونوا مسلمين ملتزمين لو تغيّرت البيئة أو تغيّر الزمن؟ لم لا يُفترض أن يكونوا مثل أبي جهل أو أبي لهب؟ لم لا يكونون مثل رأس المنافقين أُبَيُّ بن سلول؟ هل كلّ من عاش مع الرسول سيكون مؤمنًا تقيًّا؟ ألم يُعانِ الرسول من أذى أبي جهل وأبي لهب؟ ألم يُعانِ من المنافقين؟ من مُروّجي الإفك لابنته؟

حقيقة الإنسان تبقى ثابتة

البيئة لا تصنع من المُلحدِ مؤمنًا، كما لا تصنع من المؤمِنِ مُلحِدًا، فالذي اختار إدمان الخمر والزنا وأكل المال بغير حقّ في هذا العصر لن يصيرَ تقيًا وَرِعًا لو عاش مع الرسول، والذي آمن بهُبل أيام الرسول لن يتغيّر ويؤمن بنفس الرسول لو عاش في مجتمع مسلم، لن تختلف حقيقة الإنسان أبدًا مهما كانت البيئة التي عاش فيها، إن كان شخصًا يخضع لله فسيكون مؤمنًا تقيًا تحت سياط التعذيب كما كان عمّار بن ياسر، إن كان شخصًا يخضع لنزواته وشهواته فسيعيش ملحدًا أو كافرًا أو منافقًا حتى ولو وُلد وعاش ومات في الحرم المكّي.

نُسخ طبق الأصل لأبي لهب!

من هذه النتيجة يصحّ أن يَطرح كلّ منّا السؤال التالي: هل اقتنعتُ الآن بهذا الدّين أم ما زلتُ أمارسه كما وجدتُ الناس يفعلون؟ إن فكّرتُ وفهمتُ وأدركتُ حقيقة هذا الدين سأمارسه كما يجب، هذا هو المجهود الفكري الذي يلزمني القيام به تمامًا كما يجب على بيتر أن يفعل، أمّا إن عشتُ تقليدًا ومارستُه تقليدًا فسأكون في مشكلة.

هل أنا أصلّي فقط لأنّ أبي وجيراني يُصلّون؟ هل سأكون تارك صلاة لو عشت مع مسلمين لا يُصلّون إلا الجُمَعْ؟ هل سأشرب الخمر لو وُجدت في مجتمع مسلمين يعاقرونها دون حرج؟

من الصّعب جدًّا أن يوهمَ الإنسان نفسه أنّه مسلم وينتظر الجنَّةَ بعد مماته، لكنّه في حقيقته لا يختلف عن أبي جهل لو انتقل إلينا عبر كبسولة الزمن.

لو نقَلنا مليار مسلم إلى زمن قريش ووُلدوا وعاشوا هناك فإننا سنجدُ منهم صحابة أمثال عمّار وسميّة أكيد، لكنّنا سنتفاجأ كذلك، نعم سنفهم الحقيقة المرعبة لمّا نجد ملايين النسخ من أبي جهل وأبي لهب.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات