إنني أتخيل وصية (فيسبوكية) لامرأة من السلف الصالح توصي ابنها، فماذا كانت ستقول؟

«فإن كان ولا بد من سهمٍ لك في هذا العالم الأزرق، فاعلم أنه عنوانٌ لعديدِ علوم، أو مدخلٌ لمديدِ شئوم، فاختر لنفسك من أيِ الموطنين تعبُر، أو في أيِّهما نفسك تقبُر.

واحذر أول ما تحذر من النساءِ وقولِهِنْ، رسائلهنَّ ولؤمِهِن، إياك أن تدشِّن محادثةً مع فتاة لا تعرفها ولا تحل لك، حتى لو أرادتك أن تعلمها القرآن، وأركانَ الإيمان، وأحكامَ الإسلام، فإن محادثة الخلوةِ تلك، مذهبةُ للفطنة، موردة للفتنة، إلا إن كان عملا مجردا، لا تطرق فيه للتودُّدِ بابًا، وليس للتغزل ولا التلطف فيه خطاب.

ولا تردنَّ على رسالةٍ من فتاةٍ لا تعرفها قط حتى لو فاجأتك بقولها: «أتدري من قتل أباك؟ ومن أسر أخاك؟ ومن طعن حماك؟»، فعمَّا قليل يا بني يأتيك خبرُهم، ويُطَمئِنُ قلبَك حالُهم، فمن ترك لله شيئًا عوضه بخير منه.

وإياك أن تعلَّق لفتاة قط حتى لو كتبَت مستفهمة: «أيصبح الطاغوت ربًّا؟ والكفر دينًا؟ والشيطان نبيًّا ورسولًا؟» فإنما التعليق للقلوب تعليق، وله في النفوس صرح من خيال ووهم لفيق.

ولا تَضَعَنَّ إعجابا لفتاة قط، حتى لو كتبت: «أعلن أمامكم إسلامي وإيماني، واليقين بربي يغزو جسمي وأركاني» فإنك يا بني لم تُحِط بكيدِ الشيطانِ ووسائلِه، ومخارجِه ومداخلِه، ومنازِله ونوازِلِه.

واعلم أنما خوفي عليك ما جاوز خوف محمد بن عبد الله على أمته حينَ قَال في غير موطن: «ما تركتُ فتنةً على الرجالِ أشدّ من النساء … فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإنَّ فتنة بني إسرائيل كانت في النساء».

واقرأ يا بني للجميعِ وليقرؤوا لك، مُذكرِهم ومُؤنثهم، صغيرِهم وكبيرِهم، عالمهم وجاهلهم، واستفدْ من تجاربهم ومضاربهم، واستمع لأمنياتهم ورغائبهم، ومن دون أن تحرص على الخوض في كل لامة، وأن تلوك في كل هامة، فعبِّر عن فكرك دون خجل، وتحدث برأيك دون وجل، إن كنت تريد للآخرين نفعا، ولنفسك رفعا، وإياك أن تتصلب لموقفك دون حق أبلج، أو أن تعتدّ بقرارك وقد بدا لك أهيفَ أدعج.

وحذار من هزل السخفاء في القواصم، أو الكتابة خيلاءً بلغة الأعاجم، فأنت ابن عرب أقحاح، بلغاء فِصَاح، وما تدوينك بغير لغتك عن غير معلومة ملحةٍ مفيدة، أو غاية سامية مجيدة، إلا عَرض من مرض، وخبث من لوث؛ شَخَّصَه أجدادك بحب الظهور، وحب الظهور يا ولدي يقسم الظهور.

تعلَّمْ يا بنيَّ ممَّن يقومُك بحب، ويزجرُك بود، واستفد ممن يناظرُك بفهم، ويحاججُك بعقل، فأنت بعضٌ من الناس تكمِّلُهم ويكمِّلُوك، تنصحهم وينصحوك، لا تضع نفسك دون أحد، ولا ترَ نفسك فوق أحد، إلا إن بدا لك من الأصدقاء من وضُحت دناءته، وقلت مروءته، فنشرَ صورا لا تُحَل، ولاك بألفاظٍ لا تُجَل، فأنت بحظره أولى وعن جدله أسمى وأعلى.

لكن حذارِ أن توبِّخَ أحدا بصريح العبارة، أو بمضمون الإشارة، وكن للسلوكيات نقَّادًا لا للشخصيات، وللأفكار الحميدة مداحا لا للتنظيمات، إلا أن ترى فسقا بواحًا  أو ظلمًا  بوارًا  فلا تخافن من الصدع به ما دام سلطان ربك باقيًا.

واعلم أنه من تباهى بالمكاسب أوغَرَ صدور الفقراء، ومن افتخر بالمناصب أوغَرَ صدور البسطاء، ومن شَهَّر بالمصائب والمعائب شجع مرضى القلوب والجبناء، فلا تتحدثن إلا بكريم القيم وأصيل المعاني والشيم، وانأَ بنفسك عن فظ الأقوال وعجيبها، خشنها وغريبها، واختر من الكلام أديبه، ومن الخطاب قريبه، لا ليصفق لك المعجبون، ولا ليثني عليك القارئون، بل لئلا ترى غدا ما يحزنك في كتابك، ولئلا تشيدَ بيمينك مقصلةً شقائك ونطعَ هلاكك، يوم تقف وحيدا بلا عالمٍ أزرق، ولا هلامٍ أخرق.

ومع كل ما مضى تذكر: أن الناس ما عادت تتأثر بكلام ربها وخالقها، المتعبَّدِ بتلاوته، المُعجزِ بقراءته، فمن أنت لتؤثِّر بهم؟، وتشغل وقتك بالكتابة لهم؟ ومن هم لتصرف نفسك عن كلام ربك إلى كلامهم، وعن حديث نبيك إلى حديثهم؟ ولولا خشيتي عليك من رهبانيةٍ تميل لها، ووحشةٍ تتهاوى بها، لجعلتُ هجرك هذا العالم شرطًا  لِرضاي، ووقفًا  لدعاي. فَسدِّد وقارب، وسالم وحارب، في حق تطمئن إليه نفسُك، وقولٍ يرتاح إليه فؤادُك، ولا تكن إمَّعة، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ((فما على هذا ربيتك))».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد