دعنا نلملم ما تبقى من روحك التي حطمها من لا يقدرون قيمتك حقًا، ونتحدث سويًا عنهم، وعن ما فعلوا، وعن سذاجتك المعهودة، وعن كلماتهم المعسولة التي تذهب بك إلى وادٍ بعيد لا فيه غيرك، وعن نعتهم لك بأنك صديقك المقرّب المفضل، والذي اكتشفت لاحقًا بأنه هراء لا غير. حدثني لماذا فعلوا بك كل هذا؟ قلتها لك من قبل وسأظل أكررها، كن لنفسك ولا تكن لغيرك!

دائمًا ما أتحسر عليك، ولكن من الواضح أن حديثي لم يكن مجديًا بالمرة السابقة، لن أحدثك عن لعنة القدر، أن الحياة سوداء تكرهك وتسلبك كل ما تحب، ولن أقول لك بأن تتركهم وكل هذا الهراء، نعم، كل هذا هراء! أعترف أني كنت مخطئًا عندما سردت كل هذا عليك، ودعني أقص عليك الحقيقة اللي توصلت إليها، وكفكف تلك الدموع التي تنزل واحدة تلو الأخرى، لا داعي لها.

الحياة لا تحبك، ولا تكرهك، وليس القدر من يفعل بك ذلك، ولا تتقمص دور المظلوم الذي لا ينصفه أي شيء، والذي كتب عليه البؤس، الخطأ في المبدأ، وفي الأساس الذي تبني عليه كل علاقاتك الاجتماعية، وهنا يكمن سر تعاستك – والتي تفرضها أنت على نفسك -، تذكر معي عاملًا مشتركًا واحدًا بين كل علاقاتك الفاسدة، والتي ألقت بك الآن، أراك تنظر إلي صامتًا، بالحقيقة إنه ليس عاملًا مشتركًا وحيدًا، بل إنها العلاقة ذاتها تتكرر بكل أحداثها، وأنت لا تدري، ولا تفعل شيئًا، تلعن القدر والدنيا وفقط!

في كل مرة تتوهم أنها العلاقة التي ستكفيك مشقة البحث عن الرفيق، وتتأكد تأكدًا لا تشوبه ذرة شك واحدة، وتهاجم كل من حاول اقناعك بعكس هذا، في كل علاقاتك، لا أعني الحب فقط، فقد تكون صداقة، أو لا يكون إنسانًا في الأساس!

– نعم، هذا صديقي المقرّب، وهو من كنت أبحث عنه، والذي سيحملني وقت الضيق، وجدته أخيرًا.

– بلى متأكد، وكيف لي أن أكمل بقية حياتي دونها، هي رفيقة الطريق التي سأكمل معها طريقي، أتاكد من أنها تحبني مثلما أحبها.

– سمعت عن تلك المدرسة كلامًا رائعًا يا أبي، هي المستقبل كله، أقسم لك أنها سترفع شأني عاليًا، أعطني شارة الموافقة، واترك لي البقية!

تبدأ كل علاقاتك بذاك الخطأ السفيه الأحمق، دون أن تتحرى جيدًا، وتجرب بنفسك، وتتأكد من المعلومات اللازمة، لا عذر لذلك! تعطي الطرف الآخر في بداية كل علاقة ثقة زائدة، وأنت لا تعرفه إلا منذ مدة قليلة، ولم تتعامل معه للمدة الكافية لتصدر ذاك الحكم عليه، وتبدأ سفينة العلاقة في الانطلاق، تبدو لك الدنيا كما تحبها، لا أحد مثلك وسعادة الدنيا في قلبك، وما هي إلا مدة قليلة حتى تقع في الخطأ الثاني.

– لا يا صديقي أنا وُجدت في الدنيا لأساعدك فقط، لا تحمل هم ذلك، أرسل لي واجباتك، وسأنهيها وأرسلها لك قبل موعد نومك.

– كيف حالكِ أنتِ يا عزيزتي؟ لقد تركت كل ما أفعله لأجلك، ليس في حياتي أهم منك، حتى إن كنت أنا.

-أنا بخير يا أبي، ولكن العطلة ليست على ما يرام، فكل تركيزي منصب على المذاكرة لامتحان القبول بالمدرسة، ولكن كل شيء يهون لأجلها!

أهلًا بك على متن سفينتنا التي ستزور أعماق البحار بعد قليل، فقط عليك أن تضحي بكل شيء لأجل تلك العلاقة، وتؤكد على الطرف الآخر أنه هو الأهم، وأنك وبقية حياتك لست مهمًا، وتعطيه المزيد من الثقة، ولا تفكر ولو للحظة واحدة أن الطرف الآخر قد لا يستحق كل ذلك، وأن صديقك يتكاسل فقط عن دروسه ويستغل حبك له حتى لو كان ذلك على حساب دراستك أنت، وأن رفيقة حياتك المزيفة تستغلك لتقص عليك مآسيها وما يحدث لها فقط، وحتى لو كان ذلك على حساب تقصير في عملك، وأن تلك المدرسة تستغل شغفك الشديد بها، حتى لو كان ذلك على حساب راحتك وعطلتك، وهنا يبدأ الطرف الآخر يوقن بسذاجتك، ويستغلك بين الحين و الأخر ليذهب المشقة عن نفسه، ويضع العبء على أكتافك فقط، وتبدأ العلامات المقلقة تظهر.

– لا تعتذر يا صديقي، ولو أني كنت أنتظر تلك النزهة منذ شهر، ولكنك مشغول الآن، مرة أخرى.

– منذ آخر مرة عندما قلتِ لي : أنت تافه، لم تحدثيني، وأعلم أني أثرت غضبك وقتها، ولذلك أعتذر لك، انسِ ما حدث رجاءَ.

– أنا بخير يا أبي، قال لي طبيب المستشفى أنه إرهاق من كثرة المذاكرة لاختبار القبول، لا تخف سأكون بخير عما قريب، الحلم يقترب يا أبي!

صديقك المقرب يتهرب من نزهتكما التي اتفقتما عليها منذ شهر بحجة انشغاله، ولكنه يعلم منذ شهر ومن المفترض أنه أعد لهذا اليوم مثلك! رفيقة حياتك تهينك ولا تعتذر، وتذهب أنت إليها مهانًا تعتذر لها، بالرغم من خطئها ولكن كما قلت هي أهم ما في حياتك وأغلى عندك من نفسك! ها هو الإعداد لاختبار القبول كاد أن يهلكك بعد ما أرهقت نفسك، وأهملت صحتك لأجله، والحجة أن الحلم يقترب، و دخلت اختبار القبول وتخطيته بنجاح وها أنت أمامك اسبوعين لتصل للمدرسة، وها هي رفيقة حياتك تعود كما كانت، ولكنها تتخطى حدودها، وأنت لا تعلق على ذلك، المهم أنها بدأت تعود كما كانت، وها هو صديقك يرجع لمحادثتك من جديد، فهو موسم الامتحانات يا صديقي، من الواضح أن الطرف الآخر بدأ يجذبك إليه مرة أخرى، هنيئًا لك! * السفينة في طريقها للهلاك وزيارة اعماق البحار*

– تقول لي الآن أني لست صديقك المقرب، وأنك لا تعرفني بالقدر الكافي لأكون الأفضل بينهم، وتضحي بكل ما فعلت لأجلك، وبعد ما تلقيت خطاب فصلي بتهمة الغش عندما حاولت أن تغش مني، وها أنت تخطيت الاختبارات وأنا مفصول!

– ماذا تقولين؟ تحبين زميلك في العمل! وأنا مجرد أخ؟! وماذا عن حلمي؟ ورفيقة حياتي وكل هذا؟ أغدا الحلم كابوسًا!

– كل ما قلته صحيح يا أبي، ليست المستقبل كما توقعت، وليست قلعة العلم العظيمة، أهذا الحلم الذي أضعت معظم عطلتي وصحتي لأجله؟ كم كنت غبيًا! ليتني صدقتك يا أبي.

مرحبًا بكم في سفينتنا الهالكة، علاقات فاشلة تماثلت في أحداثها ومراحلها الأربع، بداية غبية متبوعة بثقة زائدة ثم كرامة مهدرة، وأخيرًا نهاية محزنة، كان البطل في تلك العلاقات واحدًا، وهو أنت، وأنت أيضًا السبب في فشل علاقاتك، بداية من ثقتك غير المبررة، ومرورًا بإهدارك لكرامتك واستغلالهم لك، نهاية بالحقيقة الصادمة، تخيل لو كنت صبرت على كل منهم حتى عرفت عنهم ما يلزم، أعتقد أنها لن تكون نفس النهاية.

ها أنت ذا، أمامك الفرصة لتغير مسار حياتك للأفضل، الحياة لا تظلم أحدًا يا بني! كل منا يظلم نفسه بنفسه، دائرة مغلقة يخرج منها كل منا خسرانًا، وتمكث بقية حياتك تفخر بكونك البائس، كالمشلول الذي يريد الحركة و يعجز عنها. أتمنى أن أسمع عنك أخبارًا سعيدة، وداعًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد