نعاني من أهوال يومية نتيجة لتراكم مشكلات حياتية في كل مجالات الحياة في البلاد العربية الخربة والمدمرة، ورغم الانتفاضات والثورات وأحلام التغيير التي تبددت تحت آلة القمع حينًا وتآمر الغرب حينًا آخر، انتهى بنا الحال بلا أمل ولا تغيير وفي حالة من الفوضى العارمة والانهيار الكلي بحيث طفحت كل الكوارث السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أعماق الأرض لسطحها حتى ضاقت علينا الأرض بما رحبت ونظر أغلب الشباب إلى مخرج من ذلك الجحيم في الوطن العربي ليفروا بأرواحهم الهامدة للغرب المُشرق بأنوار الحلم والنجاة، فكانت لهم الهجرة حلًا أو هكذا ظنت عقولهم المنهكة!

يذهب الآلاف سنويًا لأوروبا عبر البحر بهجرة غير شرعية ويصلوا لاجئين من بلاد القهر المتحارب حكامها ومعارضتها الآن، أو حتى من البلاد المنهارة اقتصاديًا كمصر والسودان، بينما يهاجر آخرين بشكل شرعي نظرًا لكفاءتهم أو علمهم ليعملوا ويعيشوا في خارج أوطانهم لباقي أعمارهم، وإن اختلفت الحالة الأولى عن الثانية يظل الاغتراب والاقتلاع الروحي والاجتماعي والديني يعاني منه الطرفان، وإن كان اللاجئ يفقد بجوار غربته وحسرته عمله وبيته وكرامته، فإن الذي يكد ويعمل مجبرًا في وطن غير وطنه يشعر بأن حياته أصبحت محصل نقود مقتلع الجذور وإن ادعى العكس!

فهل تعامل الأوطان البديلة المواطنين الوافدين مثل الأصليين؟ هل تشعر كمهاجر بأن لك أي فضل في التحضر والتمدين الذي تنعم به الآن في أوروبا مثلًا وقد دفع ثمنه أجداد الأوروبيين من نضالهم عبر مئات السنين وتخطوا مراحل حروب وثورات أكثر بشاعة من التي تحياه أوطانك التي هربت منها الآن لتختصر أنت الطريق وتحيا في نتيجة تحضر غيرك متطفلًا على مجدهم الذي لم تصنعه وتقدمهم وتمدينهم الذي لم تساهم فيه، ومُخلّصًا نفسك من معركة تقدم وطنك الذي تركته يعاني وهربت؟!

فلنأخذ حروب فرنسا الأهلية كمثال وتقرأ كيف قاتلوا مذهبيًا ودينيًا عشرات السنين وقتلوا منهم الملايين، وكيف ارتدت ثورتها خلال مائة عام من الانتصار والانكسار والخيانة والتضحيات والديكتاتورية والنضال، كيف تحرروا وغزوا الدنيا ونهبوا ثروات الغير لكي تحيا بلادهم اليوم كما تراها الآن؟! واسأل نفسك بعد كل ذلك ماذا لو هاجر ثوار فرنسا وتركوها لمصيرها، ماذا لو استسلم شعبها للغزاة الإنجليز أو في الحرب العالمية ضد الألمان، ماذا لو لم يناضل الساسة والمفكرون والطلاب والعمال والنساء، هل كانت ستصبح فرنسا التي تهاجر إليها مفتونًا بجمالها الحالي كما تشاهدها اليوم؟ أم ترك أوطانك أسهل وأوفر من تكبد عناء التمسك بالأرض والتحرر من الاستبداد أو المحتل!

ولتقس على فرنسا كل دول أوروبا وأمريكا وغيرها ستجد ببساطة أننا لم نقدم شيئًا مثل أجداد الفرنسيين والألمان والأمريكان الذين أسسوا التقدم والخلاص لأجيال قادمة من شعوبهم  المنتمين للأوطان المتقدمة الآن وأننا نحب الراحة ونستسهل أن نرتدي جلد وطن بديل على أن نصنع جلدنا النقي بأيادي الكفاح ودماء النضال حتى نعود أفضل من الذين يطاردونا ككلاب السكك ونحن لاجئين في بلادهم، أو نكد ونعمل جاهدين في عالم لا ننتمي له ولن ينتمي لنا مهما قدمنا لهم سنظل مهاجرين وافدين ملونين وإرهابيين محتملين مع كل حادثة ضدهم من الحوادث التي يدفعوا بها ثمن مساندتهم للديكتاتوريات في المشرق أو الاستعمار القديم في أفريقيا والمغرب، عند كل حدث يكون المهاجرون والمختلفون عن أصولهم في دائرة الاتهام والاضطهاد أو القلق على أقل احتمال.

سيقول أحدهم بأن الفرار من الموت أمل وأنه لا وطن أنتمي إليه إلاّ الذي يعطيني حقوقي كإنسان وستكون الإجابة الواقعية بأن الحقوق تنتزع ولا ينعم بها أحد عليك، وأن الحياة أعمق من تسطيح الانتماء بمجرد إيجاد لقمة عيش كالحيوان الضال الذي يستكين في البيت الذي يطعمه ويحقق غرائزه، فالإنسان صاحب قضية ودين ووطن وليس هملًا غريزيًا تتحكم فيه شهوة البقاء والطعام فحسب!

أعرف أن حياتنا في الوطن العربي بائسة ومليئة بالإحباطات وقد أكدت ذلك الواقع دائمًا لكن من سيحل ذلك الواقع إن هربنا من مسؤولياتنا وتركنا ذلك الانهيار يستمر؟ وهل ستستمر دول الغرب في احتضان كل هذا الكم من المهاجرين ومنهم لاجئين جياع جهلاء يصدرون مشاكلهم وكوارث أوطانهم لشعوب أخرى تعاني منهم وتطاردهم بل أصبح المهاجرون العاملون أنفسهم يبنون ليجني غيرهم الثمار وأشك أن يكون مهاجر واحد سعيد بحياته بعيدًا عن وطنه إلا لمقارنته الصورة الحالية لبلد المهجر ولبلده القديم، وهذا سأنصحه بأن يطلع فقط على شكل تلك البلد التي يتغنى وينعم بها الآن قبل الحرب العالمية وأثناء فترات انهيارها كيف كانت ثم ليفكر بشكل حقيقي هل الهجرة من أوطاننا هي الحل لنا أم لا؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهجرة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد