كنت إلى عهد قريب على يقين يكاد يوازي يقين أشد قناعاتي بأن كونك «ذكرًا» يمنحك شارة العبور إلى كل شيء وأي شيء، يقين منعبه في الأصل «مجتمعي» بحت بأن للذكور أفضلية تكاد تكون ملامحها دينية في الأصل، بمبدأ القوامة والتي حُرفت وأُضيفت إليها بعض، بل كثير من الرتوش المجتمعية الذكورية، بل والأسوأ النسائية في كثير من الأحيان لترسخ هذا المعتقد، بل والأكثر إمعانًا في الظلم أنها تدين من يخالفه بكثير من شتى أنواع العقاب من اللامبالاة إلى النبذ، وأخيرًا برميك بالكفر لمخالفة تعليمات وتعاليم ما أنزل الله بها من سلطان.

لا أنسى يومًا أمنية طفلة لا تتعدى سنو عمرها اليدين معًا، تقول ألسنا في الجنة سنطلب من الله ما نشاء؟ فالفقير يصبح غنيًّا وهكذا. قالت أنا أتمني من الله أنا أصبح ولدًا -ذكرًا- في الجنة!

لم يكن ليضاف أي قول بعد قولها.

مؤمنة جدًّا بأن المجتمعات في مطلقها تتبع منهجًا ذكوريًّا، وإن كان منها من يحاول إصلاح الأمر؛ تأبي الأخرى إلا أن تفخر بكونها كذلك.

ألا يكفي أنه في بلادي من أراد أن يسب رجلًا وصفه بامرأة؟

لكن للموضوع حقًّا أبعاد كثيرة وسلبيات، كما هي امتيازات للرجال.

«فالرجل لا يبكي» ليتني ألتقي بصاحب تلك العبارة المقيتة التي حرمت كثير من الأطفال والرجال في التعبير عما بداخلهم، لمجرد كونهم «رجالًا» وإلا لقوا صنوفًا من الاستهزاء والتدقيع عن كيفية بكاء الرجل؟ أو ليس هذا شأن النساء؟

من يعترف أولًا بحبه؟ ومن عليه تحمل عبء العلاقة؟ ومن المسئول عن تحقيق أحلام خرافية لفتيات أختصرن الحياة كلها في فارس الأحلام المنتظر؟

«إذًا فلتعمل أم ستجلس في البيت كالنساء؟»

جملة منطقية في نظر العموم بأن الشاب في مرحلة ما مطالب بالعمل، تختلف من شخص لآخر عمريًّا، لكنها غالبًا بعد الجامعة، وفي المقابل لا عمل توفره لك الدولة -إلا فيما ندر أو إذا كنت من أصحاب «الكوسة» لا سمح الله- وإن كنت يا عزيزي لا هذا ولا ذاك؛ فلتذهب إلى الجحيم ولتعمل في أي وظيفة، فالعمل الشريف ليس عيبًا.

إلى هنا لا شيء يمكن التعقيب عليه  مجتمعيًّا.

ولتأتي إلى الخطوة التالية ماذا تعمل؟

ربما  إن رضيت بذلك العمل الشريف، وإن كان لا يمت بصلة لدراستك، وارتضيت به ومن

حولك. قابلتك فيما بعد تلك النظرات التي تشفق على حالك، وإن تعايشت اصطدمت بوالد  العروس لا تعجبه وظيفتك، وهكذا دواليك.

كل منا يظلم بطريقة ما ويظلمه أحدهم بطريقة أخرى.

تلك الدائرة المفرغة من معاناة الفتاة والمرأة العربية، والتي بدورها تنعكس على الرجال بداية من كونه ابنها إلى زوجها أو أيًّا كانت صلته بها والعكس صحيح. تلك نهاية طبيعية لمأساة يحيا أطرافها معًا، صانعوها هم جميعًا كل من يتمسك برأي أو وجهة نظر خاطئة ظالمة لمجرد أنها تصب في مصلحته أو لمجرد أنه شبّ عليها، غاضًا النظر عمن يدفع ثمنها عاجلًا أم آجلا؛ هو أم هي فالنهاية سواء الكل خاسر.

خسارة من أكثر؟ ومن يدفع الثمن فادحًا؟ هناك عوامل كثيرة تحدده ليس فقط جنس الفرد، حالته الاجتماعية والمادية، ومستواه التعليمي، وعوامل فردية قامت عليها التربية تلعب دورًا في حجم الشريحة المتضررة، بل وحجم الضرر الواقع  عليها.

على كل منا مراجعة مبادئه، ومعقداته، وما يؤمن به لعلنا نرفع عنا ظلم. لا يفرق بين كونك  ذكرًا أم أنثى، وإلا فكلنا خاسرون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد