ليت كل ما نتبعه بليت يكون بكائن، ليتنا نلتقي بقلوبنا، ليتنا نَكُف عن التقلب بين ما نجهله وما لا ننكره تمام الإنكار، ليت عقولنا تستطيع إنقاذنا من غرقنا الحَتمي، وليت القلب كان نجاة هو الآخر، ليت ما نهوى يكون، أو حتى لا يكون فيأتينا عوضٌ لطيف، ليتنا نُدرك الأمور كما هي فعلًا؛ كي لا نسترق النظر من تلك الزاوية الحرجة التي تُضيق علينا عيشنا ومعاشنا، ليت لنا قلبًا كبيرًا يتسع لكم جميعًا؛ لنكون لكم كما تتمنون، ويتسع لنا بالأخص عندما نُرفض؛ نجدنا مقبولين على الأقل من أنفسنا، أو لما يُرحب بنا نجد حفاوة بكوننا هنا، بكوننا كما نحن.

ما أصعب أن يكون المرء على دِراية من جَهله لكنه مُكبل الأيدي ينتظر الخلاص الذي لا يأتِي! لا يصل الساكن عليه التحرك؛ وإلا يدوم سكونه إلى أن ينتهي السكون! أو إلى أن يجد سكنه وسكونه وسكينته.

سلامٌ على لمعة عينيك المُتكلمة، ومَحياك الباسم، سلامٌ على هذا السلام وتلك السكينة، سلامٌ على رُوح تُسبح لتعرف إلفها لتألفه، سلامٌ على من لا يُغادروننا، من يَسْكنونا ويُسَكْنونا بمرورهم على كسورنا، سلامٌ على أنفس ما باتت من شجنها ولا ترحها وأصبحت تحمد وتهدأ لفرحها، سلامٌ منا حتى نلاقيكم بسلام.
فغيابكم قد أفقد قلبي سلامه وأمانه، وملأ الحزن وادينا وخيّم ظلامُ ليلٍ طويلٍ على حُجراته، وصرنا حيارى منتظرين قدومك كأسرى الحرب يستنجدون بعهدٍ جديدٍ يُدعى السلام.

وكل شيء يولد صغيرًا ويكبر إلا الحزن. هكذا قيل، هكذا تجري الأمور، هكذا نحن في يومنا ومن قبل في أمسنا ومن بعده غَدِنا. إن لم نتحرّ الصبر والسلوان ونحسن استقبال الابتلاءات والاختبارات، هكذا يدور ترس الحياة لندور معه بدورنا، بطبيعه الحال إن كان هذا قد شّكل فارقًا أم لا! سنتحرك رُغمًا عنا؛ الحياة كالقطار لا ينتظر أحدًا! يجب أن تكون أنت من ينتظره، لكن توخ الحذر من ضياع عمرك في الانتظار بلا جدوى، عليك أن تفعل شيئًا يستحق بعده كل هذا الانتظار، عليك أن تحاول لا تقف مُكبل الأيدي، لم يقطع أحدهم يديك! ولم يسلبك قوت يومك! فلم عدم الفائدة؟ إن لم تصنع فارقًا ولو في حياة شخصٍ واحدٍ فلماذا أتيت إذن؟! لكن احترس مرة أخرى، بم يفيد سرعة لحاق قطار؟ أو ركوبه إذا كانت وجهته غير وجهتك؟

 عليك أن تدفع ثمن كل شيء، لا شيء يُقدم بالمجان كل منّا قد دفع مُسبقًا ما يجعله يستحق ما هو عليه الآن.
فقط تعلم وراقب ولا تحكم اكتفِ فقط بالاحتراس، أحيانًا يُفضل الحذر عن الاقتراب، ففي القرب تتضح الرؤية ومعها قد يسوء الاختيار أو يَصِح، فقط كن واعيًا لما يدور حولك، رحب الصدر عندي تَلقِي ما تُلقيه لك الحياة، ولا تنس أخاك.

 فصغيرك يا أمي قد شاب، لم يعد هذا الصبي صبيًا، اشتد عوده أو ربما اشتدت أيامه وضاقت به وعليه، قد صار السود شيابًا، قد حيل بينه وبين ما يهوى، أو كان عليه أن يهوى كل ما يجد عدا ما لا يجده ويبحث عنه حتى إن لم يلقه لا يحزن.

 كبرنا يا أمِّي وأدركنا أن لا قيمة لتلك الجُموع في غَيبة من نكون نحن جَمْعُه! ويكون هو كل ما لنا!
كبرنا وصرنا نخشى الوحدة أكثر من ارتحالنا إليها دون وعي منا خوفًا من ألا نقابل من نشبهه، وأكثر خشية من أن نتوه ونضيع في عيشة ليست بعيشتنا.

 كبرنا وعرفنا أن (اللقمة الهنيه تكفي ميه) ما دام نهر الودِّ يجري دون نقصان، ما دامت تسري فينا الرحمة وطاقة الحب والتغافل دون أن يشوبها تقلبات أنفسنا أو ما لاقيناه.

 كبرنا وصرنا هؤلاء الكبار! يا ليتني لم أتمن وأنا في السابعة من عمري أن أكون عشرينية! يا ليتني ابنة السابعة!
العشرينيات يا أمي فترة مرهقة مقفرة كأرض جدباء لا زرع فيها ولا ماء، يحدث فيها أن تتقلب بين مفاهيم عن نفسك ما كنت تعلم عنها شيئًا! ومُطالب بأن تكون ما لم تألف كونه، وأن ترتحل بين مراحلها دون أن تدرك متى بدأت تلك الرحلة من الأساس؟!

 كبرنا يا أمي وصرنا نخشي الموت؛ لأننا ما عدنا صِبيةً صِغارًا، (فالموت لا يأخذ إلا المريض العليل، أو الشيخ الكبير) هذه أكبر أكذوبة على الإطلاق؛ لا يوجد قانون يحكم هذا. فقط إنها أقدار الله وأقداره كلها ألطاف.
يا أمي كبرنا وأخشى ما نخشاه في السير أن نكون في رحلةٍ ليست بوجهتنا، أن ينقطع منا الزَّاد ونحن نحاول وما زلنا على طريق السعي. أليسوا يقولون أن السعي على طريق الوصول وصولٌ!
أريد أن أعرف لماذا لم أصل إلى الآن؟!

 أخاف يا أمي ألا أكون أعددت متاع راحلتي بما يكفيني، حتى إن كان يكفيني فلا ندري ما يمكن أن يقع بالغد.
كبرنا يا أمي، كم أتمني أن يُرد إليّ الوقت؛ كي أعيده وأحسن الخيار؛ كي لا أكون إختيارًا؛ كي أكون شخصي الذي أريده؛ كي لا أكون ما عليه الآن والحمد للوهاب على ما أنا عليه الآن؛ كي لا أكون فردًا تائهًا في غيبات نفسه باحثًا عنها بين سراديبها مُحكمةَ الإغلاق بالاختيارات الشاقة عليه، يترصده وحش القرارات المصيرية، وإلا لن ينجو. شخصٌ يبُثُّ شكواه في السادسة صباحًا حين لا يجد أحد في كلماتٍ رقيقةٍ تخترق جدار قلوبهم ولا يملكون سوى التعاطف وهو شعور جميل، وأيضًا ركيكة لضعف حاله هو الآخر.

 ليت ما نتمني بوسعنا أن نراه، وليت كل ما نراه نرضاه،
ليت كل ما نتبعه بليت يكون بكائنٍ يا أمي!

نسألك يا رحيم أن تهون ما أنت وحدك عالم به وأن ترينا حقيقة الأشياء كما هي وتشملنا بلطفك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ليت
عرض التعليقات
تحميل المزيد