كثيرًا ما يحدث للإنسان أمر من الأمور ثم تجده بعد تفكير وروية يقول: ما كان ينبغي أن أفعل كذا، لو كنت فعلت كذا لكان أفضل، إذا تكرر هذا مرة أخرى فلابد أن أنتبه لكذا.

وسرعان ما يبادره أحد المحيطين بالتعقيب ناهرًا «يا أخي اتق الله فإن لو تفتح عمل الشيطان فلا تعترض على قدر الله وقل قدر الله وما شاء فعل».

فهل حقًا لو هذه تفتح عمل الشيطان؟

ذكر مسلم في صحيحه [ح26677] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».

ولن أحدثك عن علاقة القوة والحرص والاستعانة بالله بدفع المكروه وتقليل نسبة الوقوع في الخطأ أو أن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فالقوة منها الفكرية والعلمية، وكذلك الحرص والاستعانة يقتضي بذل الجهد في الاستعانة بالأسباب، ولكني سأركز هنا معك على (لو) التي لا تفتح عمل الشيطان.

ماذا يحدث لو؟

سؤال يأتي في الامتحانات يدفع الطالب إلى استحضار المعلومات والخصائص المتعلقة بالسؤال وتركيب جزيئاتها وفق النسق المعروف لها ثم يتخيل المطلوب فيعيد تفكيك وتركيب الجزيئات مرة أخرى ليستنتج ماذا يحدث لو؟

تصنيف بلوم:

هو تصنيف لمستويات الأهداف الدراسية التي يضعها المدرسون لطلابهم. وأول من صنف هذه الأهداف كان واحدًا من علماء علم النفس التربوي في جامعة شيكاغو يُدعى «بنجامين بلوم» عام 1956. وهذا التصنيف هو هيكلي أو هرمي، بمعنى أن تعلم معرفة في مستوى أعلى يعتمد على اكتساب معرفة أو مهارة في مستوى أدنى منها.

ستة مستويات

يصنف بلوم المستويات المعرفية بالترتيب من المستوى الأدنى إلى الأعلى: المعرفة: إظهار المقدرة على تذكر وإعادة سرد معلومات دُرست من قبل. وهذا يشمل استرجاع حقائق، ومفردات ومفاهيم وإجابات بسيطة. الفهم: كإظهار فهم للحقائق والأفكار والقدرة على التنظيم والمقارنة والترجمة والتفسير والتوصيف والسرد والاستخلاص. التطبيق: استعمال معلومات جديدة، استعمال معرفة جديدة. حل مشاكل ومسائل جديدة بتطبيق المعرفة والحقائق والتقنيات المكتسبة بطرق مختلفة لتُلائم الوضع الجديد. التحليل: تمحيص المعلومات وتفكيكها إلى أجزائها وتحديد الأسباب والدوافع. القيام باستنتاجات ودمغها بحقائق لدعم عمومياتها. وتحديدًا تحليل العناصر والعلاقات والمبادئ التنظيمية فيما بينها. التركيب: تجميع المعلومات بتركيب عناصرها بطرق وتسلسلات مختلفة وطرح حلول بديلة. طرح طرق تواصل فريدة، طرح خطط وعمليات مختلفة، استخلاص علاقات تجريدية. التقييم: طرح الأفكار والدفاع عنها، والاجتهاد بناء على أدلة داخلية ومعايير خارجية.

وبالنظر إلى ما يحتاجه الجواب عن سؤالنا ماذا يحدث لو؟ نستطيع القول إنه من الأسئلة التي تقيس مستويات عليا من الإدراك تصل لمستوى التركيب والتقييم. أي أنه سؤال يحترم العقل ويطور الفكر ويفترض أنه لا إجابة نموذجية له إذ كل باحث عن الإجابة سيتوقف على ما تفضي إليه معارفه وقدراته الإدراكية، وبالتالي ستختلف الإجابات مما يتيح فرصة أكبر للتقييم والابتكار والتطوير وتصحيح المسار لو كان هذا السؤال على مسار حياة الأفراد والتنظيمات والدول.

فهل يقف التشريع مانعًا أمام هذه التساؤلات والعمليات العقلية المطوِّرة والمتقدمة لأنّ «لو» تفتح عمل الشيطان؟!

الجواب بكل يقين: مستحيل!

فالإسلام دين عَظَّم العقل وجعله مطية الإنسان للهداية والوصول لحقيقة الكون ومعرفة رب الأكوان سبحانه وتعالى فليس من المعقول أن يكون حائلًا أمامه فلابد في الأمر سوء فهم!

إن (لو) التي تفتح عمل الشيطان هي التي تعترض على قدر الله الذي لا دخل للإنسان فيه لذلك كان التوجيه النبوي أن نقول (قدر الله وما شاء فعل) أما ما كان الإنسان أحد أسبابه فعليه أن يسأل نفسه ماذا يحدث لو؟ وهو هنا لا يعترض على قدر الله عز وجل وإنما يتدبر الحدث ويستنبط منه العبرة، وقد علق النووي في شرحه للحديث قائلًا: «(فَإِنَّ لَوْ تَفْتَح عَمَل الشَّيْطَان) أَيْ يُلْقِي فِي الْقَلْب مُعَارَضَة الْقَدَر، وَيُوَسْوِس بِهِ الشَّيْطَان. هَذَا كَلَام الْقَاضِي: قُلْت: وَقَدْ جَاءَ مِنْ اِسْتِعْمَال (لَوْ) فِي الْمَاضِي قوله: (لَوْ اِسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اِسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْي). وَغَيْر ذَلِكَ».

فها هو نبي الهدى صلى الله عليه وسلم يعيد تقييم فعله ويقف على طريقة أفضل من التي سلكها صلوات ربي وسلامه عليه.

إذن (لو) التي تفتح عمل الشيطان تلك التي يعترض صاحبها ويجزع من قدر الله.

بينما (لو) التي لا تفتح عمل الشيطان تلك التي تخرج من عقل يؤمن أنه دائمًا في الإمكان أفضل مما كان فيبحث ويجتهد ويتهم نفسه ويتفكر معتمدًا على الله عز وجل راجيًا وعده {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِين}.

لو التي لا تفتح عمل الشيطان يحتاجها كل إنسان، كل مجتمع، كل تنظيم، كل جماعة، كل دولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد