في تجربة مثيرة أراد عالم النفس ستانلي ملجرام ( Stanley Milgram )  اختبار الناس لمعرفة طريقة استجابتهم للسلطة ، وعلى وجه التحديد لمعرفة ما إذا كانوا سيطيعون صاحب سلطة يأمرهم بتعريض إنسان آخر لصدمة كهربائية بهدف تعذيب هذا الآخر أم لا.

 

 

 

 

بدأ التجربة في البداية على قرود من نوع ريساس، تم تدريب القرد على سحب عتلات للحصول على حصته اليومية من الطعام، وعندما أتقن القرد هذه المهمة، وُضع قرد ثان في قفص مجاور. حين يسحب القرد الأول العتلات للحصول على الطعام  يُصاب القرد في القفص الآخر بصدمة كهربية  شديدة.

 

 

 

 

المدهش في الأمر أن القرد الأول توقف عن سحب هذه العتلات ولعدة أيام على الرغم من إدراكه أنه بتوقفه عن سحب العتلات قد حرم نفسه من الطعام، كان القرد الأول جائع وفي المقابل كان القرد الآخر يتفادى الصدمة الكهربائية،

 

 

 

 

 

كان احتمال امتناع القرد عن سحب هذه العتلات يزداد إذا كان القرد الآخر معروفاً لديه وينقص إذا كان القرد الآخر غير معروف أو كان من نوع آخر من الحيوانات غير القرود ولوحظ أيضاً أن هذا الاحتمالات تزداد للغاية إذا كان القرد الأول قد تعرض من قبل لهذه الصدمات الكهربائية، أي أنه كان في مكان القرد الآخر.

 

 

 

 

 

الإثارة في هذه التجربة ليس ما حدث مع القرود و إنما النتائج المعاكسة التي نتجت عن تنفيذ هذه التجربة على البشر، هذه التجارب وصفها ستانلي في كتابه ” طاعة السلطة ” (Obedience Of Authority )  المنشور في عام 1983م .

 

 

 

 

 

 

فعندما كان يأمر صاحب سلطة ـ وهو باحثاً يرتدي معطفاً أبيضاً ـ شخصاً مفحوصاً أو كما يطلق عليه ( Subject ) بسحب عتلة ليصدم شخصاً آخر كان المفحوص يفعل ذلك، بل الأدهى كان يكرر ذلك أكثر من مرة، المصدوم ما هو إلا ممثلاً لا يتعرض لخطر حقيقي وكان يستجيب للصدمة الكهربائية استجابة درامية.

 

 

 

 

لو أن هناك سكان في المريخ وطل أحدهم برأسه علينا في تلك التجارب لأستنتج فوراً أن القرود تهتم وتبالي بالآخرين بينما البشر لا يهتمون .

 

 

 

 

أقارن دائماً بين قرود ريساس وأولئك الذين احترفوا تعذيب الآخرين وإلحاق الأذى بهم واتخذوا من طاعة أصحاب السلطة  ـ حتى وإن كانت هذه الطاعة  تتلخص في إهانة غيرهم و التعدي على كرامتهم وجعلهم يكفرون بتلك الإنسانية التي تجمع بينهم وفعل جميع الأعمال القذرة التي يترفع عنها أصحاب السلطة ـ مهنة،  فأجد أن الكفة ترجح دائماً للقرود، أقارن دائما كلما جرى الحديث عن استثنائهم من الدعوات للقصاص أو لاعتبار المنظومة جميعها مشاركة في جرائم التعذيب والتعدي على حقوق الإنسان، أحاول أن أجد مبرراً لهم كمثل أنهم لا يملكون سوى ذلك فمعظمهم محدودي التعليم والثقافة ويسهل إقناعهم بأن هذا في مصلحة الوطن وأمنه أو أن ما يفعلونه هو خدمة لقضية ما وإرساء للعدل في الوطن فأجد بأن القرود التي وقف تطورها العقلي عند الاستمتاع بأكل الموز وتسلق الأشجار لم يسهل أبداً إقناعها بأذى غيرها.

 

 

 

 

 

أو أفكر مثلاً كأولئك الذين يقولون عن العساكر والمجندين ” الغلابة ” بأنهم ليسوا سوى مسيرين لا مخيرين فحياتهم بيد أصحاب السلطة أولئك و رزقهم و غير ذلك من أمور معيشتهم لكني  أجد حقيقة صعوبة في تصديق أن شخصاً ما بإمكانه تعذيب آخر بالرغم منه أو على غير إرادته، لا تُسلب الإرادة منا بمجرد التهديد بخسارة الوظيفة أو الجوع أو حتى إلحاق الأذى بنا، الإرادة هي الصفة الوحيدة التي تفرق بين كوننا بشراً أو جماداً وقد قيل : ” لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة “.

 

 

 

 

أقف حائرة محاولة تفسير السبب الذي يجعل شخصاً يقبل بتعذيب آخر دون الشعور بأن ذلك التعذيب يتسلل إليه أولاً وأن كرامته تُمتهن قبل أن كرامة الآخر وأنه ينتقص من إنسانيته قبل التعدي على إنسانية غيره ، علماء النفس يحاولون إرجاع ذلك إلي مرض الشخص بالسادية التي تجعله يصل إلى حالة النشوة النفسية ـ وأحياناً الجنسية ـ بالتعذيب ولكن  أجدني غير مصدقة لوجود هذا العدد الكبير من المرضى النفسيين بيننا.

 

 

 

 

أميل أكثر إلى أن عقود الظلم وسنوات الاستبداد  قد فسدت أخلاق مجموعة من الناس وحولت طبائعهم حتى اختلفت البديهيات لديهم، فصار الخير شراً وصار الشر خيراً لديهم ، ولم يعد بإمكانهم التمييز بين متى يجب تنفيذ الأوامر  ومتى يجب الرفض، و لعل الكواكبي حين قال في كتابه ” طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”:

 

 

” ويصل تسفل إدراكهم إلى أن مجرد آثار الأبهة والعظمة التي يرونها على المستبد وأعوانه تبهر أبصارهم ، ومجرد سماع ألفاظ التفخيم في وصفه وحكايات قوته وصولته يزيغ أفكارهم ، ويفكرون أن الدواء في الداء، فينصاعون بين يدي الاستبداد انصياع الغنم بين يدي الذئاب حيث هي تجري على قدميها جاهدة إلى مقر حتفها ” قد وضع يده على السبب .

 

 

 

 

 

التعذيب هو الجريمة الوحيدة التي لا تسقط بالتقادم ولا يمكن لقانون عادل أن يتجاهل العقاب عليه ، جميع الجرائم التي التي تُرتكب يومياً في مصر بجميع الذرائع بدءاً من الحفاظ على الوطن وانتهاءً بمحاربة الإرهاب ستجد الطريق حتماً إلى التوثيق ويوماً ما ـ قريباً كان أو بعيداً ـ سيُحاسب جميع من شارك فيها من ذلك العسكري الذي تلقي الأوامر بصدمة المعتقل كهربياً أو ضربه بالعصا أو الاعتداء عليه جنسياً أو نفسياً مروراً بضابط الأمن الذي أعطي الأوامر وانتهاءً بجميع من امتلك سلطة لإنهاء هذا التعذيب ومحاسبة من ارتكبه ولم يحرك ساكناً، جميعهم شريك في الجريمة  .

 

 

 

 

 

وأخيراً لو كان سجانونا قروداً لكانوا أدركوا أسس المصالح الذاتية التي جعلت قرداً يمتنع عن تعذيب آخر لخوفه من وجوده تحت سلطة قرد أقل رأفة يوماً ما فيذيقه هذا العذاب وهو التفسير الأقل جرحاً لمشاعرنا الإنسانية في تجربة ستانلي ، لا نتمنى أن تكون القرود قد صُدمت لمرأى معاناة قرد من الصدمة الكهربية فامتنعت عن ذلك كرد فعل تلقائي فهذا يجعلنا أكثر حيوانية مما ظننا يوماً .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد