أنس خالد 63
أنس خالد 63

  ربما يكون انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA) الاتفاق النووي، التي التزمت إيران بعد التوقيع عليها بتجميد أنشطتها النووية، وعدم حيازتها مواد انشطارية لمدة 15 عامًا مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ربما يكون هذا الانسحاب الذي أعلن عنه ترامب يوم 8 مايو (أيار) الماضي، أقرب إلى الشبه بالأزمة الكورية التي تبادل فيها وقتذاك الولايات المتحدة وكوريا الشمالية التراشقات الكلامية والتنابز القبيح!

  ومع هذا فإن تهديد ترامب بالانسحاب من الاتفاقية التي يصفها بأنها من أسوأ الاتفاقات في تاريخ الولايات المتحدة، وأنها تمنح إيران أكثر بكثير من الدول الموقعة عليها، مع هذا فإنه ركب المكر  وباغت الدول الخمس الموقعة على الاتفاقية، روسيا وفرنسا والصين وبريطانيا، بالإضافة إلي ألمانيا، بل إنه باغت به العالم كله؛ إذ إن انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل المشتركة الشاملة من شأنه أن يفتح الباب أمام سيناريوهات عديدة للأسف كلها سيئة وكارثية! أولها وقوع صدام مسلح وشيك بين إيران والولايات المتحدة يكون محصلته دمار وخراب كبيرين في المنطقة.

  وفي الوقت الذي كان فيه ترامب يرفض أي تراجع من انسحابه أو أي اتفاق تكميلي منفصل، مثل المقترح الذي تقدمت به الدول الأوربية (فرنسا علي وجه التحديد)، والذي طلبت فيه تمكين المراقبين الدوليين بالتفتيش على الإنتاج الصاروخي وعدم الاكتفاء بالتفتيش النووي؛ لأن ذلك سيضع حدًا للصواريخ الباليستية ودورها التخريبي في اليمن وسوريا، فإن إيران كانت تؤكد أن لها عدة خيارات، وأن جميع تلك الخيارات جاهزة، وأن الانسحاب سيأتي بردود تحير الولايات المتحدة.

  وإذا صرفنا النظر والفكر عن برنامج الإنتاج الصاروخي الإيراني، إذا صرفنا النظر والفكر عن ذلك، وأنه ليس المسبب الرئيس الذي يحاول ترامب شغل الناس به، فإن هناك مسببات أخرى لا يستطيع المرء معها أن يمنع فكره أو يحول عنها نظره، وهي التي دفعت ترامب على الأرجح لتدمير الاتفاقية، منها:

1_تعتبر إيران من الدول المارقة في تصنيف الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومصدر من مصادر الشر وزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وراعية للإرهاب.

2_ إن الانسحاب من الاتفاقية كان من أولويات ترامب؛ لأنه أعلن عن ذلك في برنامجه الانتخابي، عندما وصفها بأنها من أسوأ الاتفاقات في تاريخ الولايات المتحدة، لذلك فإن انسحابه من الاتفاقية لم يكن مفاجئًا، بل تم الترتيب والتدبير له بليل.

3_ القول بأن الاتفاقية بها ثغرات تهدد الأمن والسلم في المنطقة، مثل برنامج الإنتاج الصاروخي، إنما هي تغطية للانسحاب من الاتفاقية، ومن ثم مبررًا لما يعقب ذلك من ترتيب وتخطيط.

4_ شعار مصلحة أمريكا أولًا الذي رفعه ترامب، هو عنوان عريض يحتمل كل المعاني لنقض أي التزامات أو مواثيق أو معاهدات دولية، مثل انسحابه من اتفاق باريس للمناخ وانسحابه من اتفاقية شراكة دول الباسيفيك، وانسحابه من خطة العمل المشتركة الشاملة.

5_ كراهية الإدارة الأمريكية المطلقة للمسلمين وللعرب، عامل أساسي في التخلص من المواثيق والمعاهدات معهم.

6_ رغبة ومصلحة الإدارة الأمريكية في إغراق المنطقة بالحروب، بما يضمن القضاء أو إضعاف أي قوى أو تنظيمات إسلامية من الممكن أن تهدد أمن إسرائيل.

7_ رغبة ومصلحة الإدارة الأمريكية في جمع الأموال، تارة بإغراق بعض الدول العربية بالأسلحة الحديثة (مثلما حدث مؤخرًا مع المملكة السعودية) وتارة بتوفير الحماية مقابل الأموال التي تحتاجها لتأهيل البنية التحتية للولايات المتحدة.

8_ التهيئة للمواجهة المرتقبة بين إيران والمملكة السعودية.

9_ تصفية القضية الفلسطينية عبر صفقة القرن، وإفراغ فلسطين من الفلسطينيين وتهجيرهم إلى سيناء، وإقامة الدولة العبرية ذات السيادة الكاملة على فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك