ما بيننا وبين النبي يحيي

ما بيننا وبين النبي يحيى

في مكان غامض بين الحزن وتقبله، بين الغضب الذي لا يزول واللين الذي ينبغي أن تكون عليه، بين التسليم التام للقدر والاعتراض الخفي الذي لا تقتنع أنت بوجوده، لكنه موجود!

لِمَ ذُبح يحيى! رأس نبي تقدم مهرًا لبغي! لِمَ لم ينقذه الله؟ لِمَ لم يذد عنه أحد القوم؟ لِمَ استفحل الفساد في الأرض؟ ولِمَ بحق السماء لم تنتهِ القصة كيوسف، أو كيونس، أو كأيوب؟ إن لم تعلم يا صديقي فها قد علمت!

تعددت الروايات واختلفت التفاصيل، ولكن يحيى ذُبح في مقامه وهو يصلي؛ لأنه خطب في الناس بأنه لا يجوز للملك أن يتزوج ببنت أخيه، وبعد فتوى يحيى أرسلتها أمها إلى الملك في كامل زينتها حتى أغوته، ثم حلفت ألا يمسها إلا وقد أتاها برأس يحيى ففعل، وجاء الجنود برأسه على صينية كبيرة فذهبت به إلى أمها تبشرها، فخُسفت بها الأرض حتى إذا بلغت الأرض كتفها، صاحت أمها في الجنود ليقطعوا رأسها، قبل أن تبتلعه الأرض؛ فتتسلى به عن ابنتها، حتى إذا ما فعلوا لفظتها الأرض. وتلك كانت نهاية يحيى التقي، السيد، الحصور، يحيى الذي أوتي الحكم صبيًّا، يحيى الذي قال له عيسى: بل أنت ادع لي أنت خير مني؛ سلَّم الله عليك وأنا سلمت على نفسي!

فديتك برأسي يا نبي الله.. فديتك بأمي وأبي!

أنت علمتني يا يحيى أن أعظم ما أُنعم به علينا نحن البشر هو بشريتكم أيا معشر الأنبياء؛ ما ظُلمتموه في الدنيا، وما يئستموه، وما قلقتم عليه، وما حزنتم له، ما تحملتم في سبيل الرسالة، وما دفعتم أثمانه!

علمتني أنه لن تنتهِي القصص كلها كيوسف ويونس، وأن الشقاء في الدنيا والألم والحزن قد يرافقوننا إلى أن نغادر، علمتني أن يوسف لم يملك من سجود الشمس والقمر والكواكب الأحد عشر شيئًا، وأن يونس لم يملك من إيمان القوم شيئًا، كما لم تمتلك أنت رقبتك، ولم تكف الأذى عن أبيك!

فهمت معنى التسليم أن تستسلم وتطلب السلام وترضخ لأمر الله، بيده تغيير الأمر، نعم. ولكن الدنيا ليست دار حساب، وليست دار حق، لم يشفِ غليلي يا نبي الله أن خُسفت بها الأرض؛ فأنا أفكر بك، أفكر في رأسك المقطوعة وهي تقول: لا تحل له لا تحل له، ليتها كانت رقبتي أنا التي قُطعت ولم تكن رقبتك الصالحة، ليتني أدفع حياتي ولا تُذبح، ولكنها إرادة الله نسلم لها ونؤمن به!

فهمت قول ابن القيم: «يا مخنَّثَ العزم أين أنت، والطريقُ طريقٌ تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاءُ داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد، صلّى الله عليه وسلم، تزها أنت باللهو واللعب».

وضحت يا سيدي معنى الظلم، ورأيت في موتك صبر أبيك إلى أن مات نشرًا بالمناشير، وزندقة من أمر برأسك ورأس أبيك، ورأيت أن اندفاعي بالأمل فيما أحب لا يجب أن ينسيني إرادة الله وحكمته، وإن الاحتمالات واردة، ولا يحمينا إلا جنب الله!

قد نخسر المعارك وقد لا نستحق الخسارة، ولكن يكفينا أن خسارتنا ليست في ديننا، يكفينا أن ندرك حكمة الأقدار فيما تسوقه إلينا، وأن نتمسك بإنسانيتنا؛ فالأنبياء بشر أخطأوا، ويئسوا، وقلقوا، وضعفوا، لكنهم تبوأوا أعلى مراتب الإيمان، هذه المراتب موجودة، وهذه المراتب ممكنة، وهذه الدرجات متاحة لمن أراد الخوض فيها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد