وحيدًا يكون في مثل هذه المواقف، يخشى الحديث عن أي شيءٍ، ويخشى الدخول في مناقشات؛ لكيلا يخجل عندما لا يستطيع المراوغة في الحديث كيفما يفعل غيره، ولطالما يسأل هل هذا بالأمر الصعب أن أكون مثلهم، أن أكون قارئًا؟

لم أكتب منذ فترةٍ ليست بالقليلة، لكنني لم أستطع أن أترك قُرَّائي بدون غذاء لمدةٍ أكبر، ولهذا قررت أن أفعل، حينها ظهرت مشكلة أخرى وهي: عن ماذا سأكتب؟ للسؤال إجاباتٌ کثر بالتأكيد ولكنني – بعد أن مر عقلي بالكثير منها – فضَّلتُ أن أجيبك أولًا عن سؤال: كيف تشتهي هذا الغذاء، القراءة.

واتتني كثيرٌ من الأسئلة الفترة الماضية من نوع: كيف أقرأ؟ ماذا أقرأ؟ ولماذا أقرأ؟ أيها السائل اعلم أنك لن ترتقي بعقلك، ولن تتحسن قدراتك، ولن تتسع مداركك إلا بالقراءة. ولا أحتاج لأن أُذكِّرك بأول آية نزلت على سيدنا محمد، فأنت بالتأكيد تحفظها. للقراءة فوائدُ عديدة ويحتاج ذكرها إلى كتبٍ كاملة!

فهناك من يقرأ من أجل المتعة، فالقراءة وسيلته للاستمتاع، وهناك من يقرأ من أجل أن ينمّي عقله وقدراته ويرتقي بها، وهناك من يقرأ فقط ليكتب. أنا على سبيل المثال أقرأ لأنعم بالثلاثة معًا، فلقد قرأت كثيرًا لأكتب هذه المقالة، وهذا كله ممتزج بالاستفادة والمتعة بالطبع.

ولكن هناك معضلة عويصة تواجه الكثير ممن يبدؤون القراءة، أو ممن لا يقرؤون بتاتًا. نعم؛ مشکلة الملل، أنا أتفق معك بأن القراءة تحتاج صبرًا؛ حتّى تُثمر وتؤتي أكُلَها، والذين يشعرون بالملل من أوّل كتابٍ قرأوه عليهم أن يُقاوموا هذا بالعزيمة، والتصمیم على المتابعة، وحين يُكره الإنسان نفسه على ما لا تشتهي في البداية ستأتيه هذه النّفس في النهاية بما يشتهي، ودعني أخبرك أيضًا ببعض مسببات الملل أثناء القراءة علّك تتفاداها منذ البداية:

1. كثرة الملهيات بفعل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وإقبال الناس عليها بشكل مبالغ فيه.
2. منافسة وسائل الإعلام المختلفة للكتاب وخاصة الفضائيات والإذاعات، وهذا واضح في العالم العربي بخاصة.
3. اتّباع سياسة فرض التخلف التعليمي على الشعوب للسيطرة والتحكم فيها.
4. غياب تشجيع الأسرة على القراءة منذ الصغر.
5. قلة الدعم المالي لإنشاء المكتبات العامة والعمل على جعل الكتاب في متناول الجميع، هذا بالتأكيد لدور المكتبات الهام في خلق جو مناسب للقراءة.

الآن نتفق أن القراءة تحتاج إلى جهد و صبر، و(أحبب ما تعمل حتى تعمل ما تحب)، فالقراءة أيضًا هكذا تحتاج إلى حب؛ حتى تستمر في فعلها، هذا ما يجب أن تفعل أنت. أما المجتمع فلابد أن يتعامل مع القراءة باعتبارها حاجةً أساسية من حاجات الإنسان كالطعام والشراب والنوم، تلك التي لا يستطيع العيش بدونها.

منذ فترة قد عُینت قائدًا لأحد نوادي القراءة الكبيرة بالكلية – نسيت أن أحدثك عن نوادي القراءة وأهميتها التي لا تنضب، إن كنت تقرأ أو لا تقرأ، أرجوك اذهب باستمرار لمثل هذه الأشياء – المهم؛ نعود إلى نادي الكلية، حينها قد أخبرت من أعمل معهم رسالةً ما وها أنا أخبرك إياها:

في البداية لابد أن تؤمن بأهمية القراءة – وقد تحدثنا في هذا – وإن فعلت، فعليك أن تقرأ قراءة صحيحة. فهمَّ سائلٌ متعجبًا: كيف أقرأ قراءة صحيحة، هل هناك قراءة خاطئة أصلًا؟
كنت أنتظر هذا السؤال بالطبع، فقد جلست اليوم السابق له حتى أكون مستعدًا؛ لأُفضي بما حفظت من أوراق.

كثير من القراء يشتكي تأخر النتيجة، وبالتأكيد قد سألت نفسك سلفًا: (ماذا كنت أقرأ؟ لقد نسيت، ماذا استفدت، فأنا لا أتذكر شيئًا). وكثير ممن يشتكون يلقون بالكتاب بعيدًا وبناءً على ذلك لا يفتحونه ثانيةً.

دعنا نتفق مبدئيًا بأن هذه ليست معضلةً على الإطلاق، ولكن القراءة – وسأنحاز للطب قلیلًا بما أنني أدرسه – كالدواء، لا يظهر مفعوله من أول جرعة، فلابد من الاستمرار والمتابعة حتى تُعافى، هو بالتأكيد يؤثر في كل مرة تقرأ لكن مفعوله الكلي يظهر بمرور الزمن.

فهمَّ السائل مرة أخرى مُظهرًا كم هو ذكي، قائلًا: ولكن يا فؤاد هناك من يقرؤون نفس الأشياء تقريبًا ومن سنٍ واحدة ولكن يصل أحدهم دون الآخر، كيف تفسر ذلك؟

عزيزي، لقد أجاب سؤالك الثاني على سؤالك الأوّل، فالقراءة الصحيحة هي الفارق! اقرأ وأنت متشكك، اسأل، ابحث، فكر، ولن يتأتى ذلك إلا من مشاركة الأفكار والآراء، وتبادل الثقافات. فمن فضلك من الآن لا تمر على الكتاب كعابر سبيل.

عندما تبدأ بقراءة كتابٍ جديد، اسأل نفسك عمَّ تريد منه، ضع هدفًا أمامك قبل أن تفتحه، حينها ستقرأ هذا الهدف داخل السطور، وعندما تخرج اسأل نفسك مرةً أخرى: هل حققت هدفي في هذا الموضوع أم أحتاج لنوعٍ آخر من الدواء؟

ومن الآن لا تستمر بأخذ النصائح فقط، لا أطلب منك ألا تقرأها بالطبع، ولكن كما أخبرتك سلفًا السر ها هنا في تبادل الأفكار، خذ من هنا ومن هناك، من هذا ومن ذاك، ولكن لابد لك أن تعطي في النهاية، أي لابد أن تصنع لنفسك وجهة نظرك الخاصة، إن لم تفعل فأعِد التفكير، فأنت لا تقرأ.

الكتاب خير جليس، هذا ما تعرفه، ما نعرفه جميعًا، ولكن يجب أن تتذكر أيضًا كم من مرة غدر بك أصدقاؤك، أو كذب عليك أحدهم، فمن فضلك احذر الانغماس في الكتاب دون وعي؛ فقد يوهمك بأنك تعرف، ويجعلك تتحدث بجرأةٍ وثقة، بينما أنت لم تعرف شيئًا.

الخلاصة
يدعي الكثيرون: (لا أستطيع القراءة، إنها لشيءٌ صعب) وأشياءً من هذا القبيل، وهذا بالتأكيد ليس صحيحًا وإلا لماذا أنت على وشك الانتهاء من قراءة هذه المقالة الطويلة؟ – غير أنني من كتبها، فهذا شيء آخر – أنت بالتأكيد قارئ لكنك ربما في حاجة لزيادة معدلات قراءتك والسعي لقراءة موجهة أو ربما شيء آخر.

يجب أن تعلم أن مَن أعرض عن القراءة في ظل ما نعيشه الآن من ثورة معلوماتية متسارعة وانفجار معرفي هائل، لن يجد سبيلًا للتقدم والتطور، لأن كل حرفة ووظيفة مهما كانت تتطلب المعرفة ومزيدًا منها كل يوم، وهذا لا يتحقق إلا بفعل القراءة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القراءة
عرض التعليقات
تحميل المزيد