هذه العبارة ضمّنها سبنسر جونسون في كتابه «من الذي حرّك قطعة الجُبْن الخاصة بي»، وهي أشبه بنصيحة تنفع الأفراد والمؤسسات بل والدول، ولكني سأخصُّ بها الحركات الإسلامية التي تمارس السياسة وتنبذ العنف وتتبنى فهمًا وسطيًا للإسلام.

ظهور الحركات الإسلامية كان إبّان انهيار دولة الخلافة «الدولة العثمانية»، فحاولت تلك الحركات إيجاد البديل، ولم تنتبه للتطّور الكبير في العلوم الإنسانية التي منها علم السياسة، بل ظلّ أكثر الإسلاميين يتّخذون موقفًا مُتجاهلا من تلك العلوم، غافلين عن أثرها في تشكيل الوعي الغربي الجديد، فضلا عن القفزة الهائلة في علوم الطبيعة، وفي الوقت الذي كان ينبغي على العقل الإسلامي أن يفعله من تطوير أدواته واستيعاب النهضة الفكرية والعلمية الغربية ومحاولة الاستفادة منها، وجدنا تنظيرًا أغلبه يدعو للعودة للوراء وللقرون الفاضلة، والتي لا يشكُّ أحد في فضلها، ولكن الإجابة عن الأسئلة الصعبة التي فرضها الواقع العالمي المُتغيّر ومفاهيمه الجديدة في الاقتصاد والتجارة وإدارة الدولة الحديثة وموازين القوى والعلوم والتخصصات المعرفية الجديدة لم نجد إجابات تفصيلية عنها، وتقازمت الجهود التي تُفكّر في مواجهة الحاضر وتحدِّيات المستقبل.

وانكبّ الإسلاميون فترة طويلة يُفتِّشون في كُتب التراث ليثبتوا لأنفسهم وللآخرين أن السَّلف ما تركوا شيئًا إلا وصنّفوا فيه، وصار الماوردي – الذي تُوفي في القرن الحادي عشر الميلادي – مرجعًا في السياسة في القرن العشرين، ونسينا أن الماوردي قدّم واجتهد فيما يُناسب عصره، والسؤال ماذا قدمنا نحن؟

ونسينا أيضًا أن أوروبا مرّت بتحوّلات كثيرة وعنيفة، ولم تنشأ فكرة الدولة المدنيّة الحديثة ونظرياتها إلا بعد تعديلات وإضافات مستمرة، لم يشارك العقل العربي والإسلامي فيها، وتسرّع الكثيرون بإطلاق أحكام مُجملة فيها تعميم جائر، وكان من الأَوْلى تفهُّم ما وصلت إليه الإنسانية من إنتاج فكري، ليُستفاد مما يُناسب ثقافتنا وعقيدتنا، والتجارب الناجحة جديرة بالدراسة، واليابان – كمثال –  لم تُحقّق تفوقها التقني والصناعي إلا بعد أن طوّرت نظامها السياسي، وأصبح الإمبراطور له صفة شرفية، وتبنّت الديمقراطية والنّهج الليبرالي، في الوقت الذي تشبّث فيه الإسلاميون بالشكليات والشعارات والعموميات، ومحاولة وضع تصوّر وحيد لحلّ مُشكلات الأُمّة العربية والإسلامية الكثيرة والمتشابكة وهو العودة للإسلام!

والإسلام – من أسرار عظمته – أنه يدلُّك على مقاصد ومبادئ عامة تهديك للاستقامة وتقيك شرّ الضلال، لكنه أتاح مساحة شاسعة للاجتهاد في مسائل الفروع الفقهية، فما بالُنا بإدارة شؤون الحياة.

ولعلّ رفع شعار «الحاكمية لله»، واستخدام لفظة مُولَّدة – وهي الحاكمية – غريبة على لغة العرب، قد شاع بصورة فجّة في القرن العشرين، وأسهب سيد قطب في تكرارها في كتابه «في ظلال القرآن» فيما يزيد عن مئة وخمسين موضعًا، في الوقت الذي تخلو منها كتب تفاسير القرآن المعتبرة.

وما السرّ وراء ترك لفظة «الحُكم»، وقد وردت في القرآن في مواضع كثيرة، جُلُّ من أثار مسألة الحاكمية لله أحال إليها، خاصة قوله تعالى في سورة المائدة: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ، وقوله تعالى في سورة يوسف: (إن الحكم إلا لله) ؟

بيّن د. بسطامي محمد سعيد خير في كتابه «نظرات حول الحاكمية في الإسلام» أن المفكرين الأتراك هم أوّل من تحدّث عنها في العصر الحديث لتأثرهم بالفكر الغربي في أواخر عهد الدولة العثمانية، ولم يكن غريبًا إذًا أن نجدها عند سعيد النورسي، ففي كتابه «حقيقة التوحيد» يقول: (… فالحاكمية الإلهية التي هي في ربوبية مُطلقَة تردُّ بِكُل شدَّة الشّرك والاشتراك مهما كان نوعه …).

ووجدت الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» قد أورد ذكر «الحاكمية»، ولكن بالمعنى الغربي لإدارة الدولة، فعبد الرحمن الكواكبي كان عُروبيًا قوميًا، ثائرًا على الدولة العثمانية.

وقبل أن يشيع استخدام سيد قطب لشعار «الحاكمية لله» سبقه أبو الأعلى المودودي إليه، وعندما نعلم أن الكثيرين من مُفكري الأتراك لم يعرفوا العربية، وكان المودودي لا يكتب بالعربية، وإنّما بالأُرديّة، سنتفهّم أن اختلاف الثقافات واللغات وغُربة لغة القرآن في تركيا والهند وبلاد فارس، والتأثُّر بالاحتلال الأوروبي قد أدّى إلى اختلاط في المفاهيم والرؤى.

والمودودي كان يعيش مع الهنادكة الوثنيين في وطن واحد حتى انفصلت باكستان واستقلت عن الهند، والأتراك كانوا يقاومون علمنة أتاتورك المتطرّفة، وكذلك في إيران تصاعدت حِدةّ الثورة إلى أن وصل الخميني لمُراده، وأُطلق على ثورته أنها «ثورة إسلامية» وفُتن الكثيرون من رُوّاد الحركات الإسلامية به، وفي ظلّ صُعوبة التواصل وقِلّة وسائل المعرفة، سادت العاطفة وغاب الوعي الفكري العميق وتحمّس الإسلاميون للشِّعارات وإن كانت مُزيّفة وخادعة.

ويبدو أن البعض جعل الحاكمية ترجمة لكلمة Governance ، وفي نفس الوقت مرادفةً لكلمة «الحُكْم» التي وردت في القرآن، في حين أن الحكم ورد في كتاب الله وفي لغة العرب بمعانٍ تدور بين الفصل والقضاء والعلم والفقه، فلم يعرف الأوائل كلمة «حاكم» و”حُكومة» بالاستخدام المعاصر لهما.

والحاكم في لسان العرب: هو القاضي، والحكومة: أصلها ردُّ الرجل عن الظلم، أو ما قضى به القاضي، وأنشد العبسي:

ولقد قَعدتُ إلى حُكومَةِ حاكمٍ               بِلسانِه يَقْضِي ولا يتَكلَّم

والسَّلف في القرون المتقدمة، كانوا يُطلقون على وليّ الأمر لفظة «إمام»، أو «أمير»، والآيات (44)، (45)، (47)، من سورة المائدة، والتي وُصف فيها الذين لا يحكمون بما أنزل الله أنهم كافرون وظالمون وفاسقون، فأكثر المفسرين على أنّها نزلت في اليهود، وثبت في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب، وفي آثار موقوفة قويّة الإسناد على أن هذه الآيات ليس في أهل الإسلام منها شيء، ورجّح ذلك الطبري والقرطبي وغيرهما، وحتى أكثر من قال بأنها عامّة تأوّل فيها، لأن مسألة التكفير شأنها عظيم، والمتأمل لمواقف النبي عليه الصلاة والسلام، سيرى كيف كان يُربّي أصحابه على عدم الاستعجال بالحكم بالكفر، ونعلم كيف غضب النبي من أسامة بن زيد رضي الله عنه لمّا تعجّل في قتل رجل قال: لا إله إلا الله، فاحتجّ أسامة بأنه نطق بها خوفًا من القتل، فقال له الرسول المُعلِّم: أشقَقَت عن قلبه يا أسامة !

ونرى أيضًا موقف النبي العجيب من ابن أبي سلول رأس النِّفاق، وعندما طلب عمر رضي الله عنه قطع رقبته لأنّه منافق، قال النبي الكريم: أتريدُ أن يتحدّث الناس أن محمدًا يقتُل أصحابه !.

وما كان علينا أن نستطرد في كلّ ما سبق لولا الحاجة إلى التذكير به، فالأُمّة تخلّفت لمّا عطّلت الاجتهاد، واكتفى المُتأخِّرون بدراسة جهود المتقدمين، وصِرْنا مع كلِّ نازلة جديدة نُفتِّش في أقوال الأوائل، مع اختلاف الواقع والوسائل والملابسات.

لكن قبل السعيّ نحو التجديد لابد وأن يسبقه التصحيح للمفاهيم الخاطئة، وعدم الدِّفاع عنها، والتوقّف عن تقديس الأشخاص، وعرض أقوالهم وأفعالهم على ميزان العلم والحق والصواب والأولويات. خاصة أن العديد من الجماعات التي تطرّفت وانحرفت عن الفهم الصحيح للإسلام اعتمدت على أقوال وتأويلات صوّغت لهم قتل الناس وتكفير المسلمين، حتى وإن كانوا أساءوا الفهم، فيبقى واجب على الحركات الإسلامية أن تُبيّن مواقفها الفكرية بصراحة ووضوح لتجنب اللَّبْس والإساءة للإسلام قبل الإساءة لأنفسهم. ويعلم الله أنني ما قصدت التقليل أو الانتقاص من الجهود التي بُذلت – ولا زلت – ولكن لابدّ من النقد الذاتي الذي يجعلنا نتقدم ونرتقي ونتعلم من أخطائنا أمّا الاستكبار والإنكار والتجاهل سيجعلنا كما يُقال في العامية المصرية «محلّك سر».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد