الرسالة المكتوبة على ورق أبيض، وبقلم حبر أسود، وهي جزء من المتعلقات التي أعيدت إلى عائلته، إلى جانب ملابسه ونظاراته. كانت في الغرفة التي شاركها مع صبي مغربي آخر. الرسالة، الموجهة إلى طبيبة نفسية تُدعى «لوسيا»، من المركز السابق الذي كان فيه، ليست مؤرخة، ولكن من المحتمل، أن يكون قد كتبها قبل أيام قليلة من وفاته، لأنه لم يستطع إرسالها إليها.

هكذا كانت الرسالة الأخيرة التي كتبها إلياس طاهري، الشاب البالغ من العمر 18 عامًا، والذي توفي في مركز لإيواء القاصرين «في تيراس دي أوريا (الميريا)»، وهذا فحواها : «جيد»، عزيزتي لوسيا هكذا: أفتقدك كثيرًا. أولًا، الطعام هنا لا يساوي شيئًا، لكن البيتزا [أفضل] من تلك الموجودة في قرطبة.

سأقول لك كيف أنا؟ «أنا بخير، لم يعد لدي (PPS-Protocolo de Prevención de Suicidios)  (بروتوكول لمنع الانتحار)؛ وهو إجراء يحد من الحرية ويزيد من السيطرة على السجناء. 

«أنا أشارك الغرفة، مع زميل مغربي، أعمل في مجال الخزف وأدرس». ويضيف: «شيئًا مهمًّا: منذ أن وصلت إلى هنا، ليس لدي ملف. ولم أفقد أرصدة أيضًا».

«أنا أتحدث إليك دائمًا وأقول الحقيقة»، يتابع إلياس رسالتة، «آن مركز قرطبة قذر، لكن الأشخاص الذين يعملون هناك أناس طيبون، أتمنى لو كنتِ معي هنا. أتصرف جيدًا بالفعل، وأعيش «بيتيس».

«لقد ساعدتني نصيحتك كثيرًا»، ينهي إلياس رسالته بكلمة ختام (عودة ولقاء) .«أحبك (لوسيا)،إلياس طاهري». والتوقيع.

كيف مات إلياس؟

داخل أسوار مركز الأحداث (Tierra de Oria de Almería)، تعرض إلياس طاهري للعنف من طرف ستة حراس، لم يبد أية مقاومة. وهذا ما سجلته الكاميرا الأمنية، التي وثقت الحدث ولمدة 13 دقيقة. يظهر فيها أحد ضباط الأمن في المركز – بمجرد أن يستلقي الصبي على وجهه ومقيَّدًا في السرير – يضع ركبته ويضغط عليه بوزنه في منطقة قريبة من الرأس، لتطبيق «بروتوكول الاحتواء الميكانيكي» المثير للجدل. عندما ينسحب ضابط الأمن تدريجيًّا من جسده، يحاولون التحقق مما إذا كان لديه نبض. إلياس طاهري، صبي مضطرب اجتاز بالفعل عدة مراكز للأحداث، وكان قد سبق أن  طُبق عليه هذا النوع من بروتوكول «مكافحة الانتحار».

توفي إلياس في الأول من يوليو (تموز) العام الماضي، عندما تم تطبيق بروتوكول التقييد الميكانيكي، (حيث يتم احتجاز القُصَّر وجهًا لوجه إلى السرير). وتضمن تقرير التشريح الأولي، الذي نشرته «El País»، أن الجسد ظهرت عليه «علامات الاختناق العام».

لم ينشر تسجيل الكاميرا بالكامل حتى الآن، لأنه كان جزءًا من ملخص سري في محكمة «Purchena» الفردية. قبل ظهور الفيديو الذي غير مسار القضية، والذي قد تم التحقيق فيه، وإغلاق الملف في يناير (كانون الثاني) من هذه السنة، بعد وصف القاضية «تيريزا إينيس سانشيز غيسبرت» للأحداث بأنها «فشل الجهاز التنفسي، وعدم انتظام ضربات القلب». تسلسل لم يتم اعتباره في المحاكمة. المدرجة على أنها «سبب الوفاة على الأرجح». ولم يسلط الضوء على التقرير الطبي الأولي. كما لم يتم التحقق من الامتثال لبروتوكول العمل.

خصص الدكتور «سانشيز بلانك» عدة صفحات في تقريره المطول عن أسباب الوفاة. يقول الطبيب الشرعي: إن تشريح الجثة يعكس «فشل القلب التنفسي»، ولكنه  في نهاية المطاف اختار قول «عدم انتظام ضربات القلب» بوصفه «السبب الأكثر احتمالية» للوفاة، واستبعد الاختناق الذي ينعكس في التقرير الأولي: «علامات اختناق عام واضحة للغاية مع وجود كدمات زرقاء داكنة وواسعة النطاق». على الرغم من أنه يعكس في تقريره حالة: «التهاب رئوي حاد، واحتقان. [البقع المرتبطة بالاختناق والاختناق ونقص الأكسجين]».

إن وضع المتوفى، خلافًا لبقية بروتوكولات الاحتواء كما يؤكد الطبيب الشرعي، هو مفتاح تحديد مدى تأثيره في وفاة الشاب. وتحديد ما إذا كانت «وفاة عنيفة عرضية»، كما هو وارد في ملف قضية القاضية «تيريزا إينيس سانشيز غيسبرت» أو العكس. يُدافع محامي الأسرة «كارلوس رولين»، في الاستئناف المقدم لاحقًا في القضية عن «قتل» محتمل للشاب. كما أن المحامي يتساءل، مثل الطبيب الشرعي،  عن البروتوكول المذكور أعلاه، الذي أنشأته جمعية الإدارة الاجتماعية (Ginso) نفسها المسؤولة عن المركز، وهي جمعية «للاندماج الاجتماعي». 

كما حذر مكتب «فرانسيسكو فرنانديز ماروجان» بالفعل عن «أوجه القصور المتعلقة بالغرف المخصصة لممارسة ضبط النفس الميكانيكي». في الحالة المحددة لمركز الاعتقال – Tierras de Oria – المملوك لمجلس الإدارة – جمعية Ginso – والذي أكد فيه «عدم كفاية الغرفة لهذا الاستخدام، نظرًا إلى أنها تحتوي على أبعاد قليلة، وتفتقر إلى سرير مفصلي يرسي على الأرض في موقع مركزي. 

حالة إلياس واحدة من بين آلاف الحالات التي يتعرض لها المهاجرون المغاربة بالمهجر، حول كامل مر على وفاته، والحكومة في سبات عميق. لماذا لم ينتفض إخواننا المغاربة وقتذاك، كما فعل الأفارقة السود مع ابن جلدتهم (جورج فلويد)، الذي قُتل عمدًا بالخنق حتى الموت. فتزعزعت أمريكا بأكملها والعالم في اليوم الأول من وفاته؟ أين هي إذن الجمعيات الحقوقية التي تشتغل بالمغرب وبالخارج بما فيها إسبانيا؟ ما دور السفارة المغربية هناك بخصوص حالات العنف والعنصرية التي يتعرض لها أبناء الجالية المغربية؟ أين الوزارة المكلفة بالجالية المغربية بالخارج؟ أين وزارة الخارجية والتعاون وما محلها من الإعراب في قضايا أبنائها المهاجرين؟ وأين حكومة العثماني التي مرت سنة كاملة على مقتل إلياس ولم تحرك ساكنًا، عن قتله وقتل العديد من المغاربة المسلوبي الإرادة والكرامة أينما حلوا وارتحلوا؟ هل الروح الإنسانية والدم المغربي رخيص عندهم إلى هذا الحد؟ تصورا معي، لو قُتل شاب إسباني في بلدنا العزيز المغرب، ماذا سيقع فوالله لقتلونا جميعًا ورحلونا من وطنهم قبل طلوع الفجر.

وكم من حالات الاعتداء من جانب الشرطة موثقة بدلائل وشرائط فيديو تم طمسها للتستر على الجاني، ولكن بما أن دمنا رخيص، فحتى المجتمعات لم تعد تمتلك الجرأة للنزول إلى الشارع للمطالبة في تحقيق العدالة كما حصل مع جورج فلويد.

معبرا سبتة ومليلية من تلك المعابر التي نشاهد مظاهر الاستعباد ولسنوات عديدة. معابر ما هي إلا صورة مصغرة لما يعانيه المهاجر المغربي، من عنف وعنصرية. ناهيك عن حالات الموت، وفي كثير من السجون ومراكز الاعتقال. وبعدها يخرجون بتأويلات وروايات وادعاءت باطلة، كالادعاء أن المتوفى كان يعاني من أمراض مزمنة، أو أن المهاجر هو من تسبب في الأذى لنفسه.

في رمضان من هذا العام، وعلى مرأى الجميع، شاهدنا كيف أن الشرطة الباسكية اعتدت على شخص في الشارع بالهراوات، ومن ثم نقل إلى مركز الشرطة، رغم أن الأم والسكان أخبروا الشرطة بأن ابنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، الأم أيضًا لم تسلم من العنف الوحشي. فلولا صراخ جيرانها الإسبان وتنديدهم  لهذا الفعل العنصري والمهين للكرامة، وتدخل منظمات حقوقية في الموضوع، والفيديو المسرب الذي وثقته إحدى الجارات، وأصبحت القضية قضية رأي عام، ما كان أحد ليصدق رواية الأم والابن. ولأسدل الستار، وكأن شيئًا كان كائنًا لم يكن. والقنصلية آخر من يعلم. أما قضية عاملات الفراولة، الاستغلال البشع، والتحرش الجنسي والاعتداءات الجسدية الموثقة. ومعاناة المهاجرين غير الشرعيين فتلك قصص أخرى.

ما يحز في النفس، هو السكوت عن الجريمة من قبل بعض المجتمعات المدنية وحتى المنظمات الحقوقية، التي لطالما نسمعها في هذه الأحداث، ظنًّا منها أن الحادث مسألة وقت ثم تنسى.

الفرق بين قضية «إلياس» و«جورج فلويد» هو أ ن الأول عربي مسلم والثاني أمريكي أو أوربي، وشتان بين العرقين.

إذا أردت أن تعرف كم هو الدم العربي والمسلم رخيص، فيكفيك أن تلقي نظرة عامة على الخريطة العالمية، وطريقة التعاطي مع الأحداث الدموية في مختلف المناطق الجغرافية، (أطفال سوريا، والعراق، فلسطين…). فمنذ ما يعرف بعهد النظام العالمي الجديد الذي بدأ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، أصبح العرب والمسلمون هم العامل المشترك في مختلف مواقع العنف والصدام في العالم في شرقه وغربه، بدءًا من الشرق الأدنى وانتهاءً بأمريكا الجنوبية.

أما قيمة الدم المسلم فتحددها ردود الفعل الوطنية التي لا تنبس ببنت شفة. في حين قيمة الغربي تقوم القيامة الإعلامية والسياسية في كل دول العالم. ومقُتل «إلياس طاهري» و«جورج فلويد» كشاهد عيان على هذه الردود.

والمؤلم في هذه الحوادث أيضًا، لا نجد الاستنفار السياسي ولا المنظمات الحقوقية، ولا وزارة الخارجية، ولا حتى سفير أو قنصل المغرب أنفسهم، وبالمستوى المطلوب والعادل، في قضايا المغاربة عندما يواجهون العنصرية ويُقتلون بدم بارد. مهاجرون مكتوون بنارين؛ نار الإهمال الوطني، ونار الغربة والعنصرية.

على من تقع اللائمة؟ هذا السؤال المحيِّر هو الذي يزيد القضية تعقيدًا، فإذا كنا دائمًا نلقي بالمسؤولية على بعضنا البعض. فاليوم من يتحمل هذا الوزر الآثم؟ يبدو واضحًا أن المشكلة فينا وبيننا، فالعرب وبإشراف حكومي مباشر، أن دمنا وإن هُدر، لا يهم فوجودنا كعدمه.

من رحم المعاناة، يظهر لك الفرق بين قيمة وكرامة المواطن المغربي والأمريكي. فالأمريكان طلبوا إعادة البحث في أسباب وفاة جورج فلويد، ونزلوا للشوارع مطالبين بحقه. لكن للأسف نحن لاحكومة ولاشعب قاموا بذلك لأن دمنا رخيص.

لهذا نطالب من الحكومة المغربية بوزيرها الخارجي وسفيرها وقنصلها العام، كما نطالب جمعيات حقوق الإنسان، أن يُنصبوا محامين للترافع والدفاع عن الضحية أمام المحكمة المختصة في هذه الواقعة الخطيرة، لرد الاعتبار للدم المغربي المهدور، ونتبث لكل من سولت له نفسه المس بكرامة المغاربة في غير أوطانهم، أن الوطن معهم، وأن وراء كل دم مغدور ومهدور، وطن يحميه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد