يبدو أن العالم المتأخر في الماضي السحيق الذي كان يسوده منطق الجاهلية والظلام ومنهجه شريعة الغاب أن القوي يأكل الضعيف، قد عاد ليطل علينا من جديد بوجهه القبيح.

فبعدما بددت أنوار الرسالة المحمدية ظلام العهد القديم وأتت بأعظم رسالة أخلاقية أساسها العدل، ومنهجها شريعة السلام وتنبني على المساواة بين الكافة دون تمييز وذلك الذي أرساه سيد الخلق وحبيب الحق الرسول الأمين المصطفى سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في الواقعة المشهورة عندما سرقت المرأة الشريفة المخزومية وأرادوا الشفاعة لها عند النبي -صلى الله عليه وسلم- في ألا يطبق عليها حد السرقة حتى لا تفتضح هي وعشيرتها بأن منهم من امتدت يده للحرام وسرق.

حتى بلغ بالقوم أن ذهبوا لأحب الناس إلى قلب الرسول -صل الله عليه وسلم- وهو الصحابي أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- الذي ذهب إليه وعندما تكلم معه في الأمر غضب لذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- غضبا شديدًا وقال لأسامة أتشفع في حد من حدود الله، وقام وخطب في الناس وأطلق القاعدة الذهبية التي كانت منهج العدل لأكثر من عشرة قرون طالما كانت مطبقة فقال: «إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقاموا عليه الحد، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أن فَاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْ محمد يَدَهَا».

فقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّة! وبناء على هذا يروي التاريخ والسيرة أنه بعد هذه الواقعة لم تقطع في عهد الرسالة والخلفاء الراشدين إلا ستة أياد.

أما في عصرنا الحالي الذي غاب فيه مبدأ تطبيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات وتطبيق الحدود والعقاب على الجميع. فنرى أنه قد ساد ذلك المنهج الذي ينبني على القوة والغلبة ليس على الأفراد فحسب بل وحتى بين الجماعة الدولية والأممية، فالذي يملك القوة هو الذي يغلب حتى وإن كان ظالمًا وجائرًا على الآخرين.

حتى إن العالم بات لا يحترم إلا القوي الذي يسعى لتحقيق قراره ورغباته وطموحاته بيديه معتمدًا على أدواته التي يصنعها بيديه. وهكذا نستطيع فهم العالم المحيط بنا، وكذلك نستطيع تطبيق هذه القاعدة حتى نعلم مواطن الخلل والفشل والضعف وفهم متطلبات المرحلة حتى نستطيع أن نمتلك القوة لمجابهة عالم الذئاب الذي يتربص بعالمنا المنكوب.

فها نحن على هذه الأرض العربية المغتصبة والمحتلة بالوكالة من المستخرب القديم، عندما هبت نسائم الحرية التي حملها الربيع العربي على هذه الأقطار الحزينة سرعان ما تكالب عليها الذئاب فأسقطوها ونهشوا وليدها وقتلوه وهو في المهد ولم يمهلوا الشعوب أن تتنفس عبق هذه النسائم وعادت الدولة العميقة في جميع الأقطار لتتصدر الواجهة بأبشع الصور ومارست القمع والبطش بأقذر الوسائل وأحط الاساليب بل أكثر مما مضى.

وكان خطأ الثورة والثوار أنهم تعاملوا مع الأنظمة البائدة ورموزها بمبدأ الإصلاح والعفو والسماحة وهذا من التغفيل والرعونة وغياب الرؤية، حتى أتى علينا اليوم الذي أُكلت فيه الشعوب وتم الرقص على جثث المصلحين الذين أرادوا النهضة للأمة والصلاح وتحرير القرار من التبعية للمستبدين.

وعندما حانت الفرصة للفتك والبطش بعد أن خدروا الخلق لم يسموا علينا فحدوا شفراتهم وأضجعونا في مرأى ومسمع العالم وذبحونا بدم بارد ووثقت العدسات القتل الممنهج لهذه الأرواح النقية الطاهرة ولم ينطق أحد ببنت شفة، وعندما تمخض رد الفعل الدولي فما تولد عنه إلا القلق!

وكنا وبحق بعد المذبحة كخراف ضلت عن راعيها في يوم شتاء ممطر ليله حالك السواد لأننا لم نصدق أن هذا قد يحدث ولأن منهج التعامل مع هذه الوحوش الآدمية لم يكن بنفس القوة والمنعة والبطش التي عاملنا بها أعداؤنا.

وإذا نظرنا إلى من هم مثلنا وفي نفس حالتنا فسوف نبكي بدل الدموع دمًا لأن التعامل كان غاية في الاختلاف. فالنظام التركي الذي اجتمعت عليه كل الذئاب لنهش لحمه وتكسير عظمه عندما أدرك الفخ وتجاوز المصيدة التي نصبت له قام ولم يبالِ برد فعل أسياد العملاء بذبح كل الرؤوس التي كانت تنتوي إسقاطه ومحوه نهائيًا من الوجود وأخذ كافة التدابير الوقائية التي من شأنها أن تغل يده عن الإمساك بكل من تسول له نفسه العبث بأمر أمته ونظامه.

فإذا قارنا نحن الفرق في التعامل بين النظام التركي ومافعله بأعدائه وما فُعل فينا نحن من قبل وكلاء المستعمر فسنعلم أننا كم كنا مغفلين ولم نتعلم من السوابق التاريخية الماضية وأن مبدأ التسامح لا يجدي نفعًا مع شخوص مريضة باعت نفوسها للشيطان من أجل متاع دنيوي فان.

إن قصتنا اليوم يصح فيها المثل الذي قال إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب، وكان لها رواية في تراث الأدب العربي أن رجلا اسمه (سلامة) دخل يومًا على أحد القضاة، يشكو إخوته الذين استولوا على تركة والدهم، دون أن ينال شيئا وحرموه من حقه في الإرث، فسأله القاضي عن أسماء إخوته، فأجابه: «مخلب ودياب وفهد ونمر» فقال القاضي: «إخوتك مخلب ودياب ونمر وأنت سلامة، اذهب يا بني واجعل اسمك ضبعًا يعطوك حقوقك» وأردف قائلا: «إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب».

فهل وعينا هذا المنطق وتعاملنا به؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد