أيام تشبه بعضها البعض، لا جديد يُذكر، أتأمل حدود وملامح غرفتي، أرسم أملًا كبيرًا بحياة مليئة بالأشياء الجميلة، ثم أُمزق تلك الورقة إلى 100 قطعة، وأيأس من حياتي، وأعتقد أن الحال سيظل على ذلك إلى ساعات العمر الأخيرة، وأن الضوء لن يتخلل أنفاق حياتي السوداء، لكن أتعلم يا صديقي أنا لم أفكر في الأمر إلا من جهة واحدة فقط، ولم أر حقيقة الأمور بعد.. لنفكر سويًا الآن.

كنت قد قرأت بعض الكتابات للدكتور مصطفى محمود رحمة الله عليه، وفي كتابه الله والإنسان قال: «إن الطبيعة تمقت التعطل وكل فراغ يتواجد في الحياة يمتلئ من تلقاء نفسه بالهم والشقاء».

أوقفني ذلك المعنى عندما أسقطته على حياتنا العملية ووجدته حقيقيًا، فبينما نحن نسير في حياتنا تلاحقنا بطبيعة الحال بعض الهموم والمشاكل التي لا تكاد أن تنتهى سواء كانت مادية أو لسوء بيئة العمل، أو بيننا وبين دوائرنا القريبة من عائلة وأصدقاء… إلخ.

 لكن إذا تمعنا في كيفية مرورها وتجاوزها سنرى أن انشغالنا كل يوم لا يجعل لتلك المشاكل والهموم مساحة كبيرة في تفكيرنا، وستتجلى فقط عند وقت راحتنا أو منامنا، لكنها ستنسى؛ لأننا مجهدون ومتعبون وساعات النوم البسيطة تنادينا حتى نستيقظ ليوم آخر جديد مليء بالتفاصيل.

أما عندما يتملك الفراع من حياتنا ويصيبنا من بؤسه ما يصيبنا فإن الهموم تكثر وكأنها خلقت من أجلنا فقط، والأزمة البسيطة حلها لا تنفك إلا بعد أن تستهلك روحك وبدنك، بل نحن من نختلق الأزمات ونتعمد أن نوقن ونجعل من حولنا يوقنون أن دنيانا في منتهى القسوة والصعوبة، بالرغم من أننا إذا استعدنا من ذاكرة حياتنا حين كانت تملؤها الأعمال والمشاغل والأحداث سنعلم أن كل شيء كان يمر فيها بسهولة ويسر حتى في أحلك الأمور.

ولذلك كان التأكيد على هذا المعنى في حديث النبى صلى الله عليه وسلم: «نعمتانِ مغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصِّحَّة والفراغ» رواه البخاري.

وأيضًا في قول الحسن البصري رحمه الله: «يابن آدم، إنما أنت أيام فإذا ذهب يومك ذهب بعضك».

أما النقطة التي تلي ذلك، وهي أننا قد نواجه صعوبة في ملء هذا الفراغ، ومحاولة خلق أجواء تحيي فينا الإرادة التي دفنت بفعل آثار المرحلة، وهذا أمر طبيعي أن نستشعر صعوبة الأمر؛ لأننا نصارع كسلًا، ووخمًا، وروحًا انهزامية تغلغلت في نفسونا وأشعرتنا أن كل شيء لن يجدي أو يفيد.

ربما ستجد نفسك غير قادر على فعل أي شيء، وأحاديث بداخلك تخبرك أن الأمر انتهى، ولا شيء سيجدي، وعليك أن تتأمل مرآتك وترى هالاتك السوداء التي تزين عينيك، كل هذا عليك أن تتأكد أنه وهم، وليس حقيقة، بل أنت تسطيع أن تتجاوز ذلك، فإياك أن تستسلم، وابدأ من حيث أحببت أن تبدأ، واشغل نفسك بشيء يشعرك بإنسانيتك التي سلبها منك الضيق والهم.

فكر في المهارة التي تتميز بها حتى ولو بنسبة قليلة ومارسها، ابحث عن عمل مناسب لك، واسع، وحتى إذا وجدت صعوبة في ذلك فاستشعر قيمة هذا الأمر، واعلم أن محاولة السعى تقتضي حتمية الوصول.

ساعد أهل بيتك في بعض أمور المنزل حتى وإن كنت لا تتميز في ذلك، أو هو أمر كنت لا تفعله من قبل فاستمتع بممارسة شيء لطيف جديد على حياتك سيشغل وقتًا بسيطًا من يومك، ويجعلك تستشعر معنى للحياة بابتسامتهم حين يرونك إلى جانبهم.

تعرف إلى أصدقاء جدد، واسمع وتكلم عن الأحداث التي تدور في واقعنا، واستبعد من حديثك مؤقتًا ما قد يعكر صفوك من حال البلاد والعباد، تعلم شيئًا لا تعرفه قبل ذلك، وحاول أن تزامن هذا بوقت معين لتصل إلى نتيجة حسب قدراتك، وهناك الكثير من الأشياء قد تفعلها غير ذلك أنت من تحددها وتسعى فيها، وتأكد أن ثمارها ستأتيك وتستطعم مذاقها الحلو، ولكن فقط ابدأ أولًا.

أعلم جيدًا أن التطبيق أشد صعوبة من كل هذا الكلام، ولكن هذه ليست هي الأزمة الوحيدة في حياة كل منا لنستصعب حلها، ففي الدنيا ما هو أشد وأقسى، ويطلب منا الجهد وبذل الكثير، وسنة الحياة أن لا شيء يدوم على حاله، لا ساعات الضيق والهم، ولا ساعات الفرح والسرور بينهما، نحن نعيش وعلينا أن نتجاوز.

والآن أقول إن ورقة الأحلام التي مزقتها سأحاول جمعها وترتيبها مرة أخرى وأسعى في أن أصل إلى ما أريد أن أكون والمحاولة لن تضر، بل إن الوقوف دون المحاولة هو الضرر الأكبر، فلنعش حياتنا كما نحب أن نراها، ولنعلم أن اللحظة التي تمر لن تعود مرة ثانية، وأن الفراغ يقتل الأمل والانشغال هو سر البقاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بعضك, يومك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد