في التجربة الدانماركية، أبدع الفنان عادل إمام في التعامل مع أبنائه، فهو الذي حرم نفسه من متعة الزواج ليتفرغ لتربية أبنائه ومصاحبتهم، كانت لجلسة الحوار بعد كل منصب أهمية قصوى، فلا يجب أن يتعامل أبناء الوزير بنفس طريقة تعامل ابناء الموظف الكبير، وبرغم الفارق بين نظرة كل من الوزير وأبناءه للتعامل مع الآخر.

الأمثال الشعبية رصدت لنا تلك الظاهرة في مقوله ذات دلائل عجيبة “إن كبر ابنك خويه” إدراك التغيرات التي تطرأ على الأبناء وليس الابناء وحدهم، بل الجميع، بمرور الوقت ومع كل مرحلة عمرية وإدراك كيفية التعامل معها أمر هام جداً لإستمرار العلاقات الانسانية، فابنك الذي تنهره ليفتح كتابه ويقرأ أو تطلب منه شراء علبة سجائر أو ما شابه من إحتياجاتك، في وقت ما ينصت، يسمع وينفذ، وإذا ما بدأت أطوار المراهقة والشباب تطغى علية، يجب أن تدرك أنه يبحث عن استقلاليته سواء من طلباتك أو اوامرك، ولو فكرت في أن تتعامل معه في تلك المرحلة بنفس طريقة المرحلة السابقة ستجد حتما ما لا يحمد عقباء، ليس لأنك أسأت تربيته، ولكنك لم تدرك الطريقة المناسبة للتعامل.

ليس العلاقة بين الاب والابن فقط هي التي تمر بمراحل مختلفة، بل كل العلاقات الانسانية تقع تحت هذا القانون، فزميل العمل تتعامل معه وتتعاونان لإنجاز الاعمال، تتناولان معا المأكل والمشرب، تنكتان وتتندران على مديركما سوياً، لا توجد فواصل بينكما ولا ألقاب، ولكن عندما تأتيه الفرصة ليتولى منصب، درجة أعلى، يفرض المنصب عليه بعض التغيرات سواء لاحظها أو لم يلاحظها، متعمدة كانت أو عن غير قصد، لكنك حتما ستلاحظها، ستجد أنها تفرض عليك، فأصبح أستاذ أو بشمهندسا أو وكيلا ..إلخ.

هنا يجب عليك أن تدرك الفارق بين الحالتين ومن الحكمة أن تتعامل معه دون استياء أو تزمر، فيجب أن تعطي لكل صاحب مقام مقامة، وعندما تفعل ذلك عن طيب نفس ستجد من يسر في أذنيك “بكرة يغور ولما تكون له مصلحة يجي بيوس الايادي” لا تلتفت لهؤلاء ولا تستمع إليهم لأنه في الغد سيكون ذليلاً والشهامة تقول “إرحموا عزيز قوم ذل” .

على نفس المنوال نجد الفرق الواضح بين المرشح لمنصب رئيس الجمهورية وبين رئيس الجمهورية، في البداية لغة الخطاب تكون أكثر عاطفية، بها مصارحة وشفافية بكافة المشاكل والتحديات والطموحات المشتركة، يتعامل الاعلام معة بشئ من الجدية تطرح علية اسئلة حادة، ماذا ستفعل في الأمر الفلاني؟ وماذا سيكون رد فعلك لو حدث كذا أو كذا؟ الخطاب العاطفي هو دائماً وأبداً الوسيلة المناسبة لكسب اصوات الناخبين، وحينما تفوز بالمنصب وحينما تصبح رئيس للجمهورية تصبح هناك أشياء تقال وأخرى لا تقال بحجة أنها تمس الأمن القومي، البعض يقبل والبعض يبرر ويصبح سيادة المشير فخامة الرئيس!.

ولفخامة الرئيس تعامل مختلف فما يقوله هو الصواب وما يفعله هو من أجل الصالح العام، وجوده إشراق، نظراته تعليمات، غضبه معتقلات ولعنات، نحن من يصنع الفرعون!

تتعارك الاحبال الصوتيه كي لا يخرج لحن يعكر صفو السيد الرئيس، الرجل يتحمل المسئولية، والمسئولية ثقيلة يجب أن نساعدة، الطائرة في مرحلة الإقلاع يجب أن نكون جميعاً وقوداً لكي تطلع الطائرة، يجب أن نضحي بجيل وآخر حتى يحلق السيسي بمصر في السماء!

إقلاع الطائرة لحظة حرجة لا وقت للانتقاد، لا تتحدث عن المحركات وحالتها السيئة، الإعلام يقول إن القائد هو المسئول، هل تشعر بأن الخدمات المقدمة ليس كما ينبغي؟ لا يجب أن تصرح بهذا يجب أن تتحمل وتصبر، لم يعد أحد يسمح بصوت يعلو فوق صوت المعركة، والمعركة الآن معركتين معركة الارهاب ومعركة البناء، هكذا تردد الأبواق الإعلامية!!
لكن الشعب أيضاً تغير، فبعد أن كان يساق بالأغلال والسخرة ليحفر القناة، أصبح يحفرها بالحب والشعور بالوطنية، يدفع ويحفر، وبعد أن كان يُحكم بالحديد والنار، أدرك الطريق وأصبحت الديمقراطية ورغبته فى حياة كريمة هو المسيطر، وعندما بلغت القلوب الحناجر، ثار، فأسقطت صور مبارك من فوق الرءوس إلى تحت الأقدام وما شفعت له الطلعة الجوية ولا الأغاني التي رددت “إخترناه إخترناه” ليبقى في منصب، فالشعب قال كلمته “كفاية” ومبارك أصبح نزيلا في مستشفى المعادي العسكري!.

في نهاية الفيلم أدرك أبناء عادل إمام أن سيادة الوزير له الحق في أن يعيش التجربة الدنماركية، أن يترك الوزارة ليعيش ما فاته من حياته، هذا الإدراك المتبادل هو سر النهاية السعيدة للفيلم. “الإدراك المتبادل” ما نفتقده لتحقيق النهايات السعيدة، فهل يدرك السيد الرئيس ومعاونية ذلك ؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد