يأتي سؤال كهذا فتتواتر أسراب الخيال وتصطف الأحلام عند محطات “باص” يافا المتجه إلى الناصرة والقدس أو بيروت، ويقف الفكر مشدوها على صخرة الروشة عند سماع صدى كلمة “لجنوب” بلهجة لبنانية محببة.

 

ذاك السؤال الذي كان حصريا لفلسطين تصحبه الخريطة ذات المثلث المسحوب والمسلوب، أما في زمن الـ “لو” تَوزع السؤال وعلامات الاستفهام والتعجب أيضا على خريطة تمس المحيط والخليج الذي كان عربيا.

 

وذلك الاحتلال الذي لم يعد يخص البلاد وحدها، ولا يقتصر على اليهود والفرنجة بل امتد واتسع لفراغ الروح واحتلالها من أي شيء، وكأن الاحتلال أصبح قدرا لا نستطيع منه فكاكًا، واتسعت معه الـ (لو) حتى سجنتنا وإن بدت علينا الحرية.

 

(لو معاك مليون جنيه، لو رجع بيك الزمن، لو ولدت في بلد أخرى، لو كنت من الجنس الآخر، لو، لو، لو).

 

وتسحبنا دوامة الـ (لو) حتى يغشانا الموج ولا نرى سوى التراب ولا نبتلع إلا الملح!

 

حتى أنه صادفني عمل فني ضخم متميز عربيا اسمه (لو)! بصرف النظر عن محاتواه الذي لم أطلع عليه، إلا أن الاسم متماهي مع حالتنا العامة تماما، ولربما هذا كان أحد سباب نجاحه وانتشاره.

 

أبدا ما فكرنا في مستقبلنا كما ندبنا على الماضي، أبدا ما غيرنا واقعنا كما افترضنا عالما آخر موازيا، كما نفعل كعقل أو لا وعي جمعي، لا كأفراد، بل هربنا بكل ما بقي لنا من قوة من الحقيقة، هربنا إلى الوراء أو إلى الافتراض وإلى أي وجهة لا تؤدي إلينا!

 

فقط كنا نُعجب بدرويش حين يقول: قف على ناصية الحلم وقاتل.

 

وقفنا على ناصية الحلم وقتلناه ثم جلسنا نبكي دمه المراق حتى جفّ، واتخذنا من النواصي ملجأً وملاذا لاستعارة أحلام الغير أو لاحباطها.

 

صلى الله وسلم وبارك على نبينا حينما قال: (لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الأمِيرُ أمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ). القسطنطينية!  تلك المدينة التي لم يكن أغلب العرب حينها يعلمون اسمها، وإن عرفوه جهلوا موقعها، لكنهم علموا منه عليه صلوات الله وسلامه معنى الحلم والعلم، معنى المستقبل والتخطيط له، كان من الممكن أن يُعتبر الحديث عن القسطنطينية ضربا من الجنون بين أناس يسكنون البادية ويقتفون النجوم وآثار الأقدام ليعرفوا الطرق والدروب، صحيحٌ أن ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيد بالوحي، لكنه أيضا مدعم بالعمل والخطط، فكانت البذرة الأولى  لفتح القسطنطينية ـ الذي أتى بعد أكثر من 800 عام ـ تُغرس منذ أن نطق النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث.

 

كان من الممكن أن يظل الصحابة وتابعوهم مأسورون في ماضيهم القاحل إذا ما قورن بإمبراطوريات الفرس والروم أو حتى ممالك الغساسنة وغيرهم ـ أو دون مقارنة ـ لكنهم “أرادوا” صنع المستقبل لحياتهم ولدينهم، وفعلوا.

وأبدا لم ينطقوا بهذه الـ (لو)!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد