خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ

شهادة اعتماد جودة من الطِراز الرفيع أعلنها سيد الخلق – صلى الله عليه وسلم – في صحابته ومُعاصريه واصفًا إياهم بخير الناس. كيف لا يكونون كذلك وهم من تربّوا في كَنَف النبوة، وعلى يد المربي الأفضل في تاريخ البشرية! ولكن بالرغم من ذلك، لم يكن المجتمع الإسلامي تلك المدينة الفاضلة التي سعى لها أفلاطون، وكان لا بُدّ أن يمرّ بالعديد من النزاعات الفكرية والجسدية، ونزاعات من نوع آخر في حياة النبي وبعد وفاته.

لا يُعدّ هذا غريبًا، فهذه هي طبيعة النفس البشرية، تحيد عن الكمال بفطرتها، ولكن الغريب أن يطال أحد هذه النزاعات بيت النبوة، بل يطال عِرض النبي – صلى الله عليه وسلم – بجلال شخصه وعظيم قدره، والقصة عُرفت بحادثة الإفك، وبعضكم يعرفها حتمًا.

تتأخر أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – عن قافلة غزوة بني المصطلق بحثًا عن قلادة سقطت منها، فيجدها صفوان بن المعطل – رضي الله عنه – ويعود بها الى المدينة.. ليراهما المنافقون وهما على مشارف المدينة، وتبدأ نفوسهم المريضة ببثّ السُم في كلامهم، وتصدّر مشهد الافتتاح كالعادة عبد الله بن أبي بن سلول – كبير المنافقين – بكلمتين فقط، وسكت بعدهما:

صفوان وعائشة، وبنبرة تحمل في طياتها كل شيء عدا الاستفهام، وبنظرات ثاقبة كثعلب وجد فريسته وبدأ يخطط لإيقاعها، والإفك عدوى متى ما بدأت فلن تتوقف عند المنافقين، ولن تتوقف أيضًا دون أضرار جسيمة تلحق بالجميع وتُفرق الصف وتُشتت الشمل، وهذا ما حصل، خاض الناس بعدها في الإفك وطعنوا في عرض النبي صلى الله عليه وسلم.

أن تجد الناس يخوضون في عِرض نبيّهم هو أمر عجيب، وأن يكون ممن خاض في عِرضه صحابةٌ شهدوا بدرًا هو أمر أعجب بمراحل فقد قال الله عز وجل في أهل بدر على وجه الخصوص: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. ولم تكن تلك الحادثة لتمرّ مرور الكرام دون أن ينزل بها قُرآن يُتلى وتأتي البراءة الإلهية من السماء بحكم لا طعن فيه ولا اعتراض، ويخلّدها الكتابٌ المحفوظ الى يوم يبعثون.

ومن يتمعّن في وصف القرآن لهذه العملية التي استمرت مدة شهر كامل في سورة النور، الآية 15 تحديدًا، يجد الوصف دقيقًا:

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ

(إذ تلقّونه بألسنتكم)، أي أن الخبر لم يلبث في ذهن أحدهم مُطلقًا.. يؤخذ باللسان، ثم لا يلبث هناك أيضًا، ويُرمى الى لسان آخر دون تدقيق أو تمحيص، ودون تفكير في الصواب والخطأ، فقط حديث بهدف النشر لا الفهم.

وقفوا معي هُنا قليلًا، هل يُعدّ هذا المشهد غريبًا في أيامنا هذه؟

لا أظن ذلك، يبدو مألوفًا، بل يبدو مشهدًا اعتياديًا للغاية في مُحيطنا.

وهنا نكون قد وصلنا إلى مربط الفرس.

صناعة الإفك حرفةٌ تعهد البعض مزاولتها منذ القِدم، طعن في الأعراض والأفكار، تكفير هنا وتجريم هناك، كلام يُنقل، وشائعات تستحيل قرآنًا لا يُكذبه الناس تمامًا كما لا يفكرون به، وتجلى ذلك بشكل فاضح في عصر التواصل الاجتماعي، ولو كانت لدينا المقدرة على الوصول الى كافة المحادثات المغلقة والنقاشات الفردية هنا أو هناك، لوجدنا أن صناعة الإفك باتت نمط حياة مغروسًا في أعماق بعضنا.

كم لصناعة الإفك نصيب من كلامنا وهمزاتنا ولمزاتنا وأوصافنا لغيرنا من بني جلدتنا؟

كم مِن الناس مَن يعُدّ الناس شغله الشاغل، متتبعٌ ماهر لعوراتهم، باحثٌ عنها عن كثب، ومبدع في فضحها، بل يستمتع بابتزاز الآخرين بها إن أتيحت له الفرصة، وينسى ستر الله الذي أسبله عليه مرارًا؟

كم منهم من لا يحتاج لتتبع عورات الآخرين، رُبّما يفتريها ويخلقها من العدم ويلفق القصة تلو الأخرى؟

كم لصناعة الإفك من ذواتنا نصيب؟

سؤال يستحق أن نُعري ذواتنا أمامه فُرادى ونصدق في إجابته.

ويتجلى مراد الله – عز وجل – في حادثة الإفك في ذات السورة – سورة النور – في الآيتين 12 و 16، حيث يعلمنا الله في كليهما درسًا عظيمًا هو مقصده في حادثة الإفك.

الآية 12:

 لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ

والدرس هنا أن نُحسن الظن، (بأنفسهم خيرًا) لا تعني الفرد، وإنما تعني الكيان الواحد، أن يظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنهم بخير، مُجتمعهم بخير، لُحمتهم الواحدة بخير، وهذا الإفك ليس فيهم بل هو بفعل فاعل أو بسوء فهم يجب تصويبه، وهذه الثقافة التي تقتضي بأن تلتمس لأخيك عُذرًا – حتى وإن أخطأ – أصبحت نادرة الوجود تمامًا بقدر أهميتها.

الآية 16:

 وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ

تُعلمنا أن نعيد برمجة عقولنا على الصبر، على أن نستقبل ما يصلنا بالعقل ولا نتلقفه باللسان، على أن نعُدّ الى العشرة بل الى المئة، ونفكر مليًّا فيما يصلنا وفيما نقول واضعين نصب أعيننا شعار: من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، وشعار: فليقل خيرًا أو ليصمت.

وإذا كنت ممن يعانون من صُناع الإفك في محيطهم فلا تحزن، صحابةٌ يخوضون في عِرض نبيّ.

من أنت ليسكت الناس عنك وعن عثراتك، لست النبي وليسوا صحابته.

دعهم ودعك من إبداعهم في صناعة الإفك، وامضِ في طريقك غير مُبال.. لله ما وقر في سريرتك، وللناس ما يظنون من خير أو شر، وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد