عندما كان طالبًا بالكلية الحربية، كان يسبق اسمه دائمًا لقب يُطربه: «جندي مقاتل عبد الفتاح سعيد حسين»، كانت تبهره دائمًا تحية الرئيس لأرواح شهداء الوطن في ذكرى يوم الشهيد، ويهزّه تعليق أحد اللواءات على هذا المشهد بأن عقيدة الانتماء للوطن هي أبرز ما يميز المقاتل المصري، فيقنعه بأن أكثر أهل الجنة من المصريين لكثرة شهدائنا، وفي محاضراته العسكرية كان يدرس عجز علماء النفس العسكريين الأمريكيين عن تحليل عشق الجندي المصري للشهادة، وإقدامه عليها، أثناء متابعتهم للجنود المصريين في حرب تحرير الكويت، ذلك المذكور في عدة مراجع عن حرب الخليج الثانية، وعملية عاصفة الصحراء، كما أكد له سيادة الخبير المحاضر.

لطالما اعتلى صدره وسام الفخر بأنه تربى على حب الشهادة والتضحية والفداء منذ لحظة دخوله الكلية الحربية، فهذه العقيدة محفورة في نفوس المقاتلين المصريين، من أصغر مجند إلى أكبر قائد، وكتب في سطور يومياته أن هذا هو ما يجعل الجيش المصري مختلفًا عن أي جيش آخر؛ لأن قوته في إيمانه وعقيدته وروحه التي تتغلب على أي أسلحة مهما بلغ تطورها، ومهما بلغت قوة العدو. وبعد أن أصبح ضابطًا لقّن المجندين تحت قيادته أن الجيش المصري هو الأول عالميًّا في العقيدة القتالية، وأن القداسة الإلهية دائمًا تبارك خير أجناد الأرض.

وبعد أن صار جنرالًا، أنصت لكلمات اللواء عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، حين قال: «لا يستطيع أحد حساب المجلس أو حكوماته، والشعب هو السبب فيما يحدث؛ لأن الناس ما بتشتغلش، انجرفوا لاتجاهات سياسية، ونسوا من أين سنأكل»، وزاد إيمانه بنظرية سيادة اللواء التي تجعل «الجيوش أساس الإدارة، والإدارة كل حاجة»، فأبهره أن القوات المسلحة قدّمت للدولة أكثر من ملياري جنيه، وساهمت في دعم الاقتصاد بأكثر من 12 مليار جنيه، اعتبارًا من فبراير ٢٠١١، وأطربه تعبير جناب اللواء «هذه ليست أموال الدولة، وإنما (عرق) وزارة الدفاع من عوائد مشروعاتها، ولن نسمح للدولة بالتدخل فيها»، عندها تعلّم منه العقيدة القتالية للجنرالات، وهبّ واقفًا «انتباه» تحيةً للعلم الجديد، وافتخارًا بكونه واحدًا ممن شملتهم نون الجمع في قول اللواء: «سنقاتل على مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها، فالعرق الذي ظللنا ٣٠ سنة لن نتركه لأحد يدمره»، وعندها أصبحت عقيدة الجنرال عبد الفتاح السيسي أن مشروعات القوات المسلحة هي الأمن القومي المصري، وأن تنفيذ مشروعات لصالح القطاع المدني هو التزام من منطلق المسئولية، ناتج عن وضعية الإنفاق الحكومي المنهكة، وهذا هو الذي «يحمي البلد».

بين المشهدين شخص واحد وعقيدتان، جيش واحد وجنديان، الأول جندي القتال الذي تربى على هذه العقيدة نظريًّا ولم يقم بالتجربة العملية، أما الآخر فهو جندي المال تلك العقيدة التي تعلمها وأجرى تجاربه عليها بادئًا من حيث انتهى سلفه، محاولًا الوصول إلى قمة الهرم الاقتصادي، دون الانتباه أن بعد القمة يبدأ السقوط.

وأما بعد.. عندما تحولت عقيدة الجندي المقاتل عبد الفتاح السيسي من القتال والتضحية والفداء لحماية الناس، إلى الملل من عدم وقوف الشعب خلفه، عندما تحولت العقيدة من قول يوسف عليه السلام: «ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين» إلى قوله أيضًا: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم»، عندها تحولت القبلة، والتفّ العَلم بشارة الحداد السوداء، وكسا الصدأ سلاح الجندي، وتحولت رصاصات الشرف والدفاع إلى أموال الترف والمتاع.

حين أدرك الجيش الصباح، وسكت عن الكلام المباح، بعدما روت شهرزاده الكلمات المِلاح، عن جفاف عرق الكفاح، وحلاوة عرق الأرباح، وتحوّل الجندي الفدائي المقاتل إلى الجنرال الاقتصادي الحاكم، حينها تغيرت عقيدة المقاتل الذي لم يقاتل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المقاتل
عرض التعليقات
تحميل المزيد