نعلم أنه فى الجاهلية كان الناس يعبدون الأصنام, حينئذ كانت الأصنام تماثيل منحوتة على هيئة معبود, يُطاف حولها، ولكن عبر حقب من الزمان إلى وقتنا هذا قد اتسع مفهوم «الصنم» ليشمل كل شيء يأسر الإنسان ويستعبده ويضعه في غياهب سجون مظلمة, كل شيء يغّل العقل والفكر, كل شيء يعادي الإنسانية بمفهومها الراقي، ويحط من قدرها, ويكون في النهاية محور الناس, يتمركزون حوله، ويطوفون ويقدمون له القرابين.

إنه لمن المؤسف أن تطل علينا الجاهلية بظلمتها وظلمها من نوافذ عقول أبت، إلا أن تعيش بمبدأ «ما وجدنا عليه آباءنا».

في الزواج

عندما نرصد طقوس الزواج في مجتمعنا, سنجد فلسفته قائمة على أنه «صفقة» أو «بيعة» بين بائع ومشتر، تقوم على مبدأ: «غلاء السعر برهان على جودة البضاعة» أو كما يقال بالعامية: «الغالي تمنه فيه».

عندما يهم أحدهم لخطبة إحداهن, سيسمع حينها أولا مقولة :«احنا بنشترى راجل»،  ولكن على أحدهم أن يعلم تماما أنه قد جاء ليشتري بضاعة غالية الثمن لديهم، وإلا سيؤول الأمر إلى  فشل البيعة أو كما يقولون بالعامية: «بين الشاري والبايع يفتح الله».

يقوم الشاب بشرح ظروفه وقدراته المادية ومداها المحدود, فيأتى رد الأهل حاملا فى مضمونه البعيد «امتهانا» للمرأة وقيمتها الإنسانية الحقيقية، ليقولوا:«بس يابنى بنتنا دكتورة قد الدنيا, وست بيت شاطرة ما شاء الله عليها، وبلا بلا بلا».

وهنا أتذكر قول:«الرافعي» متحدثا عن فلسفة المهر، قائلا على لسان شيخ:

«أهم يساومون في بهيمة لا تعقل، وليس لها من أمرها شيء، إلا أنها بضاعة من مطامع صاحبها يغليها على مطامع الناس؟»

فى حالة انتهاء الاتفاق ونجاح الصفقة يأتينا مرسم آخر من مراسم الزواج، وهو: «عرض الثمن» على مرأى ومسمع المحيطين؛ لسد شعور التفاخر والتباهي لدى الأهل بجودة بضاعتهم وغلو ثمنها, فيأتى المتفرجون من كل حدب وصوب, وهم معتدون على كل ملمح من ملامح الخصوصية وقدسية هذه العلاقة الإنسانية الراقية  ليشاهدو كل تفاصيل الصفقة، بدءً من «الشبكة» إلى تفاصيل المسكن، وما تحوى بداخله غرفه، وحتى غرفة النوم! فضلا عن ذلك كله, رؤية الصنم الأكبر داخل المسكن، وهو «النيش» وهو الشيء الذي يُقدس، وتُقدس كل محتوياته من «أركوبال» و «صيني» و «أطقم كاسات وغيرها».

ثم بعد فترة من هذا الزواج ومباركته, يأتي هؤلاء المتفرجون أو آخرون ثانيا، ولكن ـ فى هذه المرة ـ لحضور ثمة «عراك» قد نشب بين الزوجين وقد يصل الأمر حينئذ إلى ضرب الزوجة وإهانتها, وهنا يأتى على الفور ملامة أهل الزوجة مقدمة إلى الزوج على فعله، ولكن لا يعلمون أن لهم نصيب مما حدث, فالأب والأم اللذان ارتضيا لابنتهما على أن تكون بضاعة تذهب لمن سيدفع فيها أكثر, لابد وأن يعلمو أن من شروط البضاعة أنها «حق مكتسب» لشاريها، وهو له الحرية الكاملة فى كيفية استخدامها كما يريد, وأنها قد يتم الاستبدال بها في بعض الأحيان؛ إذا اصبح لا جدوى من وجودها, وقد يتم إرجاعها في حالات أخرى, ولكن :

ماذا عن , لو تم معاملتها ك «أمانة» لا يستحقها إلا رجل لابد وأن يتسم بالأمانة؟ هنا بطبيعة الأمر لابد وأن تُصان , فشرط الأمانة عند الأمين «حسن الإقامة» وحسن المعاملة بكل حرص؛ مهابة خالقها وصاحبها أيضا.

أما «البضاعة» فهى لا يُشترط فيها ما ينطبق على الأمانة،  فهي حينذاك قد وقعت تحت بند «الملكية الخاصة», بينما المرأة إنسان، ليست بجماد مملوك أو عقار.

وهنا ما قصدت من كلامي أن أعيب في مشروعية المهر، ولكن قصدت التحدث عن قضية تشويه فلسفة المهر والمغالاة فيه.

وإذا الموءودة سئلت

الوأد قديما في الجاهلية كان دفن البنات تحت رمال الصحراء؛ خشية ملاحقة العار.

أما الآن، فالوأد له مفهوم آخر أكثر ملائمة للعصر الذي نعيشه, وهو الآن كل ما يجعل المرأة «نقصا» أو «منقوصا», وهو يعني دفن كيان المرأة ذاته وكل ما يغتال عقلها وحريتها, ومقصدي هنا ليس ذاك الذى يرنو إليه دعاة الحرية الزائفة  المُنصبّة أكثر على حرية الجسد لا العقل, فهؤلاء أيضا أول الظالمين لها.

الحرية المطلوبة, هي تلك التي أنقذتها قديما من ظلم الجاهلية وجرمت وأدها, وهى نفسها المطلوبة الآن لإنقاذها من جور «العادات والتقاليد»،  ووأدها وهي على قيد الحياة تحت ثرى هذه الظلمات واستبدادها, تلك التي كفلها لها «الإسلام».

منذ ميلادها فهي «موءودة», فلا زال هناك من إذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداَ وهو كظيم, ومازال الكثير يفكرون بنفس العقلية نفسها التي كانو عليها فى الجاهلية, مهما بلغ من درجات علمية, أو حتى فكرية ولا أعلم لماذا؟! ربما تكون هذه صورة أخرى من صور «ما وجدنا عليه الآباء والأجداد», ربما هنا القناعات التى رُسخت خلال عملية التربية هي التي تلعب دورها؟! ربما ذكورية هذا المجتمع وتطلعه دائما للأقوى, فيتطلع إلى الذكر بتكوينه البيولوجى وبنيته!

عند تقديم التهاني والتبريكات لمن رُزقوا بها, تأتي التهاني مشوبة بالمواساة والشفقة، وكأنهم أُصيبوا بمصيبة أو بَلِيَّة أو  قد لحقت بهم وصمة عار! لتسمع «مبروك, معلش, اللي تجيب البنت تجيب الولد».

مجتمعنا بطبعه يسعى للمظاهر بكل معانيها _ إلا من رحم ربى _ وعليه فمطلبه الأول «ذكر» لا «رجل», فليت همهم صناعة الرجال, لكان الأقصى الآن فى أيدينا محررا.

صديقتى فلانة حامل فى شهرها الرابع، والآن أصبح في إمكانها معرفة نوع جنينها, وفي ليلة زيارتها للطبيبة تجلس فى حالة من الرعب والهلع من أن يقع على مسامعها خبر حملها بـ «أنثى».

وتعرب أخرى عن عدم أمنيتها بأن تُرزق بنتا أخرى, وهنا لا عيب فيما يتمنى الإنسان، ولكن ستجد العيب في المبررات المقدمة لعدم هذه الأمنية، فالمبررات لديها هي أن الأنثى كائن ضعيف, والولد هو السند والقوة, ولا أدرى من أين أتت بهذه القناعات, فمنذ متى عرفنا عن ضعف المرأة؛ بسبب عدم وجود هذا الذي يدعونه السند؟ «أنا لا أنفي الصفة بشكل مطلق»، ولكن استنكاري لاقتصار مفهوم السند، وتمحوره حول الذكور فقط, فنحن لدينا نماذج عدة من النساء اللائى ضربن الأمثلة في القوة، رغم تفردهن دون وجود الرجل.

ثم يأتينا مبرر آخر متمثلا في قولهم: «الولد دراع أبوه اليمين» على أساس أن من لم يُرزق بالولد فهو مبتور ذراعه, أو مريضا بتشوه خلقي  لعدم وجود ذراع أيمن لديه!

ومن المفارقات العجيبة التي تراها عند معظم هؤلاء في تربيتهم للذكر, هو التدليل الزائد، وقليل من العقاب، إن وُجد, فهو فى نظرهم «السند» أو الداعم الذى يخشون كسره, ولذا يفعل ما يحلو له، دون أى حساب أو سؤال؛ حتى يكبر وتكبر بداخله أنانيته, ليصبح «السند» في النهاية «عبئا» و«حملا» فوق كاهل أهله جميعهم, ووبال على المجتمع ذاته.

وهناك مبررا أكثر تداولا، وهو: «الولد بيشيل اسم أبوه», لا أدرى من أين أتت تلك القاعدة, فلن نسمع عن هذا المعنى، إلا من فم «أبي جهل»، حينما وصف سيد الخلق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بـ «الأبتر», وقد رأينا لمن كان الخلود؟! ومن الذى أصبحت البشرية كلها تضج بطيب ذكره واسمه، وهو «أبو البنات», فالمخلدون أسماءهم, هم من كان لهم نصيب من المعارك والقضايا التى تمس الإنسانية وكيان الإنسان, هم السُرج، من كانوا قبسا من نور لمن حولهم، فأناروا الطرق إلى الحقائق، فاستطاع الناس رؤيتها.

والمخلدون أسماءهم هم الثائرون: من فتحوا أبواب الصناديق المظلمة، وهدموا الأسوار، وسعوا لكسر أصنام الجاهلية، وأمراض المجتمع, هم من ضنت بذكرهم الدنيا في حياتهم، ولكن تركوا أسماءهم  باقية فيها بعد الممات، فصار يذكرها العالم ويتغنى بذكره.

هؤلاء الذين قد نرى منهم من لم يكن له  نصيب من الولد يحمل اسمه، ومع ذلك كان الخلود حليفهم، وظلت أسماءهم باقية إلى يوم القيامة تُذكر، في الوقت نفسه الذى قد فنت أسماء غيرهم ممن تمتعوا بالكثير من الولد مع فنائهم ودُفنت معهم.

يأتى طور آخر من أطوار «الوأد» متمثلا في تجريد المرأة من كينونتها وهويتها, وكل شيء يرقى بكيانها وعقلها, لتتحول إلى «مفعول به» لا «فاعل», واعتمادية لا معتمد عليها , متمحورة حول شخص واحد تبحث عنه؛ لتعتمد عليه، وهو «الرجل», فيقولون: «الست ملهاش إلا بيت جوزها» وهنا لا أقصد أبدا تحقير دور الرجل وأهميته فى حياة المرأة، وكونها زوجة, ولكن استنكاري لهذه الحالة التي تجعل من «الرجل» الشيء الوحيد والأوحد الذي بدونه المرأة لا شيء.

لتعيش قبل الزواج في حالة من الرعب والقلق؛ من وصمها بلقب «عانس» فتظل تبحث عن العريس, الذي هو الهدف الأول، وربما الأخير لديها, وتعيش بعد الزواج حالة من الفراغ الدائم, فقد بات زوجها مشغولا عنها معظم الوقت في عمله, فنجدها زوجة بائسة مصابة باليأس والحزن جل وقتها؛ لشعورها بالفقد, مستاءة من معاملة زوجها الذي يصفها بـ «النكدية»,  ورغم ذلك تستسلم؛ خشية أن يلاحقها لقب «مطلقة».

فيكن مخرجها من كل هذا هو إخراج طاقاتها السلبية وكل مظاهر الاستبداد التى عاشتها في تربية أولادها ليخرج لنا جيل من المستبدين الجدد, وفي حالات أخرى هناك المتزوجة التي تبحث عن رجل آخر؛ والسبب هو حالة «الفراغ» تلك والانقضاض على كينونتها, ووأدها وهي ما زالت حية, الأمر الذي يصل أيضا إلى وأد ضميرها, وربما جيل تنجبه موءودا ضميره، وندخل في دورة حياة جديدة من حياة «الجاهلية».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جاهلية
عرض التعليقات
تحميل المزيد