عندما تلاحظ انهيار أمة تدريجيا بشكل أو بآخر يبدأ العقل الواعي بالتفكير بأسباب جَليَّة قد تؤدي لانحدار أمة بهذا الشكل المهين، عندما بدأت بالنظر بعمق في الأحداث وترتيبها وجدتها متشابهة بشكل أو بآخر من حيث المضمون، ولكن مع اختلاف التفاصيل، والنتيجة والأسباب واحدة.

وجدت أن جهلنا قد وضعنا في خانة التبعية، فنحن مجرد تابعين بلا فكر، التقليد الأعمي بحمق وعنف، والجهود الماكرة التي تحركنا من الخارج، لقد قلدنا كل ما يفعله الغرب دون تفكير، تخلينا عن الهوية العربية التي تسير على منهج الإسلام، وبدأنا نسلك سير الغرب، ونعم، لقد نجح الغرب في هذه الحركة الماكرة.

بلا شك بتوفر العقول الجاهلة يكون من السهل التلاعب بالمجتمعات وتحريكها مثل قطع الشطرنج، تحريكها بخطوة إلى الأمام وانتظار نتائج تلك الخطوة، فالجهل يأتي في المقام الأول في أسباب فشل الأمم، وبالتبعية يأتي كل ما تشتهيه الأنفس من ضياع و فشل الأمم.

عندما تمزج جميع العناصر الجهل والتقليد الأعمي والتبعية الغوغائية والابتعاد عن نهج الإسلام، فينتج بنجاح عقلا جاهزا لاستقبال أي فكر تريد أن تغرسه في مجتمع، وتأكد يا صديقي سوف تنجح نجاحا باهرا، في تلك اللحظة سوف أسيطر عليك: مجتمعيا اقتصياديا سياسيا، وسوف أبث كل فكر أناني عنصري جشع حاقد كاره، سوف أخلق منك إنسانا مريضا تهدم نفسك، وكل من حولك.

في عالمنا ما نحن إلا أفراخ في أقفاصها تسير إلى ما يرضاه الغرب، ونسير مع ركبهم، ونؤدي المهمة بنجاح، فدائما ما تأتي نتيجة أي نقاش انحيازا متطرفا لطرف دون الآخر، لم ينتج مرة النقاش نوعا من أنواع التحليل الدقيق للأحداث أو مبنية على بحث عميق في بواطن الأمور وتكوين فكر واع، ولكن أعتقد أنني ذكرت من قبل أننا أتباع لا نفكر، إن تكوين فكرك الخاص هو من خصائص مجتمعات متعلمة بعيدة كل البعد عن مجتمعاتنا، وبذلك تتضح الصورة أمامنا لكل تلك الأحداث، فكلها مزايدات على طرف دون الآخر، كلها مبنية، إما على جهل أو على آراء الآخريين، دون التفكير في عواقب رأيك في المستقبل البعيد، ولكن أغرتك المظاهر الخداعة.

في كل يوم نسمع عن اختراعات جديدة قد أنجبها العقل الشرقي، أعتقد أني كتبت الجملة السابقة بشكل خاطئ! فالعقل العربي الشرقي لا يفكر،ويبدو أن عقلي الباطن كان به صورة رائعة لعقولنا، ولكنها تندرج تحت الطموحات والأماني. في بدايات القرن الواحد والعشرين ظهرت لنا ثورات الإنترنت من إنتاج الغرب، ومن ثم مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت تلك هي القشة التي قسمت ظهر البعير، فقد أصبحت مهمة السيطرة على عقولنا أسهل مما سبق، وأصبح التحكم بك وبآرائك وأحلامك وتوقع أفعالك، نعم! لقد تمت المهمة بنجاح.

أصبح هناك قوة عظمى وهي قوة الرأي، فرأيك مهم على مواقع التواصل الاجتماعي، قوة رأي الألف من مستخدمي التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى نجاح أي منتج، شخصية أو فكرة، ولكن يا صديقي دعني أقلها لك: إن ما تظنه رأيك النابع من عصارة تفكيرك ما هو إلا نتيجة طبيعية لحركة الشطرنج الماكرة، فهو مسيطر عليك تماما، حتى على ما تفكر، وعلى نتيجة تفكيرك، فأنت وممن تتبعهم آراؤكم مبنية على آرائهم هم، أنت مجرد تابع.

ففي بادئ الأمر لم أكن مقتنعا بتلك القوة الجبارة، ولكن سرعان ما تغيرت نظرتي بما يسمي بـ “باور أوف سوشيال ميديا”، اطمئن؛ إنني لا استعرض قدراتي في اللغة الإنجليزية، ولكنني تابع مثلك، وسمعتها وحفظتها مثلك بهذا الشكل، فلا تلوموني على طبيعتي البشريه الخطاءة. تلك القوة تغير مسار حياتك دون أن تدري، تلك القوة تعلي فصيلا دون الآخر في لحظة، وفي اليوم التالي بكون ميزان القوة قد اختل نحو الاتجاه الآخر، هل هذا مبني على أسس فكرية ام هي عشوائية مبنية على جهلك؟ هي نتيجة تبعيتك اللاواعيه، هي ما أنتجته عنصريتك وحقدك وكراهيتك، واتضح لي أن تلك القوة ليست بالشيء الصالح أو البناء لمجتماعاتنا، بل إنها واحدة أخرى من ألاعيب الغرب الناجحة التي تم بها المحو الكامل لأخلاقنا وعاداتنا العربية الإسلامية.

بالتأكيد لتلك الثورة التكنولوجية مميزات، أولها أنك تقرأ كلماتي اليوم في بيتك، وكثير من الإيجابيات التي لا يمكنني تجاهلها، لكن هذه المميزات ليس لمجتمعاتنا التابعة، إنها بين أيدينا فقط؛ لأهداف تدميرية ومسيطرة علينا، إنها هنا لكي يستطيع ضربك من خلال سلاحه المدمر، إنها هنا لبث أفكاره وسمومه.

أعتقد أن التعليم يجب أن يكون الهدف الدول الأول، بل هي نقطة الانطلاق نحو إصلاح هذا الفساد الفكري، هي الراكز الذي يجب أن يكون في بداية قائمة الإصلاحات، فعلمك يؤهلك بالوصول لدرجة النهوض بتفكيرك نحو سقف مرتفع يجعلك تميز وتفهم وتحلل، وبذلك تكون لك رؤيتك الخاصة التي ترى بها بواطن الأمور وأهدافها الحقيقية، فسلبيتك بكل أنواعها هي إضافة سلبية جديدة لمجتمع قد غرست فيه كل أشكال السلبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد