خلال السنوات القليلة الماضية حدثت الكثير من التغيرات في البلاد الإسلامية؛ ما حدث يتلخص في انتفاضة شعبية، بواجهة إسلامية، على سلطات علمانية، شعوبها إسلامية قولًا، وعلمانية فعلًا، لكنها على أقل تقدير ليست ضد الدين، نتائج هذه الانتفاضة غير المدروسة، أو وقوعها تحت مؤامرة كبرى، أو سمها ما شئت؛ أنتجت حكومات علمانية، وشعوبًا علمانية قولًا وفعلًا؛ وتتجه بنسب مرتفعة لتكون ضد الدين.

يمكنك معرفة ذلك من خلال التواصل الاجتماعي، أو بطرح سؤال عام بسيط في أي بث مباشر يشاهده شباب من أوساط مختلفة، والموجة التي بدأت تأخذ الآلاف من الشباب، وتدّعي أن الدين تخلف ورجعية، وأن تركه تطور وثقافة؛ فأردت هنا أن أبين، وبملخص مفيد، أن العالم قبل بعثة الرسول، كان يعيش في تخلف رهيب، وبنظرية العلمانية نفسها تقريبًا، وأخذتُ قريش أو مكة في حينها مثلًا لتقريب الصورة لا غير.

قريش في أوج عظمتها قبل الإسلام

احتلت قريش مكانة عظيمة في الجزيرة العربية، خصوصًا بعد هزيمة أبرهة الحبشي من أمام الكعبة، وحدوث مشاكل في مملكة سبأ باليمن، مع استقرار الأحوال في مكة، وازدهار التجارة فيها، وظهور الازدهار في قريش، وبالرغم من كون ثروات قبائل أخرى كانت كبيرة، إلا أن قريشًا كانت تملك الذهب والفضة؛ وهذا فضلها على الآخرين في شبه الجزيرة العربية على الأقل.

قريش لم تكن تكفر بالدين

كانت قريش تعترف بالدين، والديانات، والعبادات، والمقدسات، وتحترمها، وحتى بعد دخول الأصنام حيز العبادة، وانتشار الشرك؛ كانت قريش تدين بدين، وتعبد آلهة مع الله، وهم بذلك مع باقي الديانات في حينها يطبقون مبدأ من مبادئ العلمانية التي ينشرها دعاة الحداثة والتطور اليوم .

فصل الدين عن الدولة أو الحياة

يلاحظ من دراسة تاريخ قريش قبل الإسلام أنها كانت تمارس فصل الدين عن الحياة؛ فتعتني بالبيت، وبحجاجه، وتمارس طقوس العبادة، ثم تمارس في الوقت ذاته الرذائل، وشرب الخمر، والتطفيف بالكيل والميزان، وأكل أموال الناس بالباطل، والهمز واللمز؛ وخير دليل على هذه الحقيقة قصة بناء الكعبة، وكيف أقرّوا أن الكعبة لا يجب أن تبنى من أموال حرام، الأمر ذاته اليوم يحدث مع المثقفين الجدد، فتجدهم أحيانًا يحدثونك عن أموال نظيفة وأخرى ليست نظيفة.
وفي الإطار ذاته كانت معارضة قريش للدين الجديد تتعلق كليًّا في تدخله في حياتهم، وتغيير نظم كثيرة في الحياة، والتجارة التي كانت تعيش عليها الرؤوس الكبيرة وتتكاثر ثرواتهم بها .

قريش تخالف مبادءها

بعد ظهور الدين الجديد الذي جاء به النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -؛ أصبحت قريش في موقف محرج جدًا، وأمام تهديد خطير جعلها تتخلى عن الكثير من المبادئ التي كانت تدعيها، وبدأت تظهر كل صفات القهر، والظلم، والاضطهاد متخلية عن قداسة المكان والزمان، وعن العادات والتقاليد، وعن المعاهدات، ومنها «حلف الفضول».

هذا بالضبط ما يحدث مع النظام العلماني السائد، والذي يدعي حرية الرأي، والتعبير، والديمقراطية، والمدنية؛ ثم إذا ما ظهر النظام الإسلامي، فإنه يفقد صوابه، ويتخلى عن كل قول سائد .

قريش تعرض على النبي السلطة

لعل من الغرابة أن تعرض قريش على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم – قيادة مكة بكل قبائلها، فكيف بعرض أمر كهذا عليه، وهو الذي أتى بدين جديد، وسفه آلهتهم، ودين آبائهم، وكيف وهو الذي يريد إزالة الفوارق بين المجتمع، والمساواة بين العبد والسيد، كيف وهو الذي يريد جعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ الأمر يشبه تمامًا تفكير العلمانية الحديثة، بتولية شخصية إسلامية القيادة لدولة علمانية، بذلك فقط سيكسبون أمرين؛ غياب المعارضة الإسلامية بتولي قائد إسلاميّ الأمر، ويضمنون عدم تدخل الدين بالدولة، كونها تسير وفق أسس علمانية .

ستبقى الحكاية نفسها

وعلى مر الزمن، وفي كل التاريخ، ستبقى الحكاية نفسها، وتستعيد الرواية فصولها، حتى في زمن الأنبياء الآخرين، كانت نفس القصص تقريبًا، غالبًا لم تكن معارضة الدين تتعلق بالدين، أو بالإله الواحد؛ بل كان الأمر يتعلق بكون هذا الدين، يريد تغيير الحياة العامة، كون هذا الدين، يريد تغيير النظام الفاسد السائد، وفي كل زمن سيكون هناك متدينون سيئون، يبررون للناس ترك الدين، أو فصله عن الحياة؛ وبذلك الغوص في المحرمات بكل يسر وسهولة، وفساد المجتمع وضياعه مهما بدا عليه من مظاهر الثقافة، وعلو الشأن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد