قرأتُ في مئات الصفحات التي تتحدث عن خرافاتٍ تخاطب – في الواقع – زمنًا غير الزمن، وشُيّدَت

في خيال ذلك الزمن الذي نجهل، لا في خيال زمانِنا، إذ إنَّ الخيال الذي سيَّجَ عقولنا باتَ واقعيًا بعض

الشيء!

فأن تترك الأيَّام تمضي بجهدٍ زائفٍ آملًا تحريك ساكنٍ دون لمسه، وجعل العقل خاصعًا مُهانًا لتمارينٍ آملًا

رؤية ما لا يُرى وسماع ما لا يُسمع، وملاقاة حبيبٍ وغير حبيب والتحدث إليه في حينِ أن الجسد لم يُغادر

الفراش، تلك حماقةٌ تًستهجَن – بكل بساطةٍ – من أحمق آخر!

ولا غرابةَ إذا حلَّ مسلمون بتلك المدينةِ الضَّال أهلها وقد اتَّهموا دينَهُم بالتَّجمد، بينما هم لم يدرسوه قط!

يقرؤونَ عباراتٍ في الأخلاقِ لفيلسوفٍ يهوديٍ أو غير يهودي، فيشيدون به وكأنَّه أوتي من الحكمة وبلاغةِ

القول وفصاحةِ اللسان ما عجز الآخرون عنه، بينما هىَ قيلت مذ أن كانت أرض ذلك الفيلسوفُ تُرابًا

ليس عليه علامة قدم، فالآفةُ ليست في ذاك الفيلسوف أو من شابهه، بل كلُّ ما في الأمرِ أنَّها نُحِتَت في رؤوسِ تابعيهم.

تاقت نفوسهُم إلى الحكمة ولم يدرسوا أصولها في واقعِهم، فاضطروا للحبوِ خلف خيالِهم، وجثُوا على

رُكبهِم أمامهُ بُغية تحقيق ما فشلوا في تحقيقهِ في واقعهِم.

فما حبا من حبا نحو تلك المدينةِ – والتي لا يراها أحدٌ حتى سكَّانها – إلَّا بجهلهِم بأنَّ مرارة الواقعِ – التي

هربوا منها – فيها اللذة ، وسبيلٌ إلى الدَّعة – إن كان ذلك مُرادهم – وإن كانت في الظَّاهر مكسُوَّةً بإرهاقٍ وإملاق.

فالفهمُ التامّ للواقعِ والتحدّث إليه، وسردُ كلماتٍ في خطاباتٍ له، واستلام خطاباتهِ وفنّ الرَّد عليه،

يجعلُ عقول البشريةِ الذَّابلةِ تخضَرّ، ثم يغدو أسودًا لا تخاف، جبالًا لا تهتز، سماءً ذات سرٍ عميق،

شمسًا يتأجَّج لهيبها لتضيء مدينةً، أو فكرًا ليشيدَ مثلها أو يزيد.

إنَّ إدراك الواقعِ وإشراق الذهن وظهور علامة النَّجابةِ على وجه الشَّيخِ كالطفل وذَهاب شيبه الذي اشتعلَ

رأسه به مُبكّرًا، لن يكونَ بطمأنينةِ المرء بأنَّ عبارات الحصافةِ ومعانيها لا تفارقُ وجدانهُ وفقط، بل

«مبدأ الفكر» فيه أنَّه فكر، والفكرُ يُدرَس، ولا شكَّ أنَّهُ ما فَضَّلَ المرءَ على أخيهِ إلَّا لأنَه ما دُرِّسَ قط

بالمدراس ولا بالجامعات!

فالجهلُ بالواقعِ يجعل العالم الذَّري يَجتثُّ جذور الإنسانيّة بين العلم والمجتمعِ والبشرية، لا يهُمّ إن كانت

هناكَ أرضٌ تُباد، أو غيمٌ يحلُّ بها بعد أن انجلى يومًا، أو طفلٌ باكٍ – في أحضانِ عدوّه آملًا ألَّا يكون

عدوَّه ثم لا يجد ما أَمَل – بأدمُعٍ رسَمت خطوطَ الشّيبِ على وجههِ في سنٍ مُبكرة، أو شيخٌ أخفى الشّيب

من وجههِ دمعتُه، أو أمٌّ رؤومٌ يبكي لأجلها ترابُ الوطن، وتسكنُ الرّيحُ خجلًا، والمطرٌ ينزل مُواسيًا

ولا تهدأ!

فما أساءَ فهم الواقعِ فحسب، بل أساء فهم العلمِ بفلسفةٍ تجعل النَّاظر إليه يشمئزّ منه، فلسفةُ «الرُّوح

العلميّة».

والجهل بالواقعِ يجعل رب البيتِ يتوهَّم أنَّ ابنه ما زال صغير السّنِّ فلا يأبه للسانهِ ولا لجوارحه أمام طفله،

ثم لا يلبثُ ذاك الأبُ إلَّا قليلا فيُؤدَّب ويهذَّب قسرًا.

ويجعلُ القائمين على المنظُومة التَّعليمية يبجِّلون تلك المناهجِ التي لو كان لعلماء القرن الثَّامن عشر علمٌ بها

لأشعلوا النار في أوراقها، ولَحَرقَ الألمُ قلوبهم تباعًا، خوفًا على مُستقبل الفكر وتوقّف الزَّمن.

ويجعل القائمين على المنظومةِ التعليمية يعتقدون تمام الاعتقاد بأنَّ تأجيل رواتب المعلمينَ لا يُمثِّل أي مشكلة، إذ إنَّ المعلمين عليهم أن يُفكّروا في عِظَم مكانتِهم أكثر!

 

ويجعل المعلمين كذلك يتقاعسونَ عن عملهم ولا يُزمعُون على الجَدّ فيه إذا ما تأخرَّت رواتبهُم؛

فلا هؤلاءِ ولا هؤلاءِ وَعُوا نِتاج فكرهم، ولا شكَّ أنَّ ظاهرة «البَصمِ» – والتي غدَت من قِوام العصر –

ستنمو وتخضَرّ، ولن تُجتَثَّ جذورها إلَّا إذا اجتُثَّت جذور هؤلاء وهؤلاء.

ويجعل السَّفيه التَّافه المائق الذي يتحدَّث عن أحدهم ببذيء الكلام يتيقَّن أن من يتحدَّث عنه سيغدو مشنوءًا

من الجميع، بينما هو الذي يغدو كذلك.

ويجعل الأوغاد يظنّون بأنَّ وطن الشَّريف ينتهي حيث الحدود الحمقاء التي ما أنجبت إلَّا ذكورًا، فضلا عن

تخنّث عددٍ لا بأس به منهم!

والجهل به كذلك يُمكِّن الإيمانَ في قلوبِ الكثير بأنَّ وطننا زهرة خضراءَ وأنَّ تُربتنا تصلحُ لإنتاجِ فاكهةٍ

وخضرواتٍ حال الحرب، ورجالٍ حال السّلم كحال الحرب، ولا وطنَ ولا تُربة مثل التي نمتلك؛

آمنَّا بذلك، فوضعوا لنا حدودًا.

فالواقعُ لا يدرَّسُ في المدرسة، ولا نحظى بفهمهِ إذا ما التحقنا بالجامعة، بل أن يغدو المرء معلمًا حكيمًا

وطالبًا حصيفًا فطِنًا لذلك المعلمُ في الوقت نفسه، فذلك يكفيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد