نستطيع الحديث الآن عن كيانين لجماعة الإخوان، (إخوانَين): إخوان الداخل، وإخوان الخارج. وقد بدأ إخوان الخارج في الظهور ككيان، بعد مجزرة فض اعتصام رابعة والنهضة، وما تلاهما من مجازر، وخروج عدد من قيادات الإخوان وأفرادهم.

ولا تسمح الظروف التي يمر بها إخوان الداخل – الذين يعتبر وجودهم في حد ذاته أكبر تحدٍ للانقلاب – بكلام يوجه لهم سوى الدعاء أن يعينهم الله، ثم تحيتهم على صمودهم واستمرارهم والتضحيات الكبيرة التي يقدمونها، مع نصيحة بألا يتورطوا في العنف، أيا كانت الضغوط، ومهما كانت النتائج التي تصير إليها الثورة، حتى لو عجزوا عن إسقاط الانقلاب سلميا في هذه المرحلة، فستأتي مرحلة أخرى، وإن غدا لناظره قريب.

أما ظروف إخوان الخارج، فتسمح بكثير من الكلام والنقد والنصيحة، فهم في المجمل آمنون مطمئنون في بلاد مختلفة، وإن كانت تواجه بعض أفراد منهم بطبيعة الحال صعوبات الإقامة والعمل، وما شابه ذلك من المشكلات. ورغم مرور أكثر من عامين على بروز كيان الإخوان في الخارج، يبدو أن هناك كثيرا من العمل كان ينبغي أن ينجز، إلا أنه وكما يظهر للمراقب من بعيد لم ينجز بعد.

فلا تزال كل الكيانات المعارضة للانقلاب بالخارج، كيانات هلامية لا مضمون حقيقي لها، ولا قيادة واضحة، ولا لجان متخصصة، ولا دور مؤثر في خدمة الثورة، بداية بالاسم العريض (تحالف دعم الشرعية)، ثم (المجلس الثوري المصري) و(علماء ضد الانقلاب) إلى آخر هذه الأسماء، التي لا تستخدم، إلا كوصف لمجموعة أفراد من المعارضة عندما يتحدث أحدهم في الإعلام.

وأحد الأسباب في ذلك، أن جماعة الإخوان المسلمين تنظر لبقية شركاء المعارضة على أنهم لا وجود لهم على الأرض، وأن أفراد الإخوان يقومون بالعبء الأكبر من المعارضة، أو بالأحرى يشكلون الهيكل العظمي لها. ومن ثم لا تشرك الجماعة بقية الشركاء، بل قد لا تبقيهم على اطلاع تفاصيل الأحداث، ومن يتابع صفحات رموز شركاء المعارضة، يدرك أن لا دور لهم يختلف عن دور المراقب عن كثب، والكتابة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، والظهور الإعلامي بين الحين والآخر على الفضائيات، وما بيان عاصم عبد الماجد الأخير عنا ببعيد.

والسؤال: لماذا لا تستفيد جماعة الإخوان من شركاء المعارضة، حتى إذا خرجوا من التحالف كحزب الوسط، أو كتبوا مقالا أو بيانا أو منشورا فيه بعض الانتقاد، غضب منهم فريق من متحمسي الإخوان، وسكت فريق آخر على مضض؟

يضاف إلى ذلك، عدم سعي الإخوان لعقد مؤتمر موحد للمعارضة المصرية بالخارج، يضم كافة أطيافها، بدء من الجماعة الإسلامية، وانتهاء بأيمن نور و(البرادعي)، يوجه رسالة للعالم كله بصوت واحد للمعارضة المصرية، تخوفا مما يسمى التيار الثالث الذي تريده القوى الكبرى كبديل عن الإخوان، وعن النظام الحاكم حاليا.

وهناك كثير من الملفات التي يمكن لإخوان الخارج المساهمة فيها، أو القيام بها ككل، منها:
وضع رؤية مستقبلية لكيفية الخروج بالبلد من الوضع الراهن، بناء على معطيات الواقع، وقوة المعارضة في الشارع، أو القبول بحلول وسط، على ألا يكون السيسي جزء منها.

التفاوض السياسي مع الدول والحكومات الإقليمية والدولية، وعرض وجهة نظر المعارضة المصرية، بأن الوضع الحالي لا يمكن استمراره، حتى ولو بدا مستقرا ظاهريا.

التوعية السياسية من خلال نشر الدراسات السياسية الجادة، وتوصيلها لعموم الشعب بالوسائل المختلفة، ودراسة التجارب السابقة المشابهة للثورات والانقلابات.

إقامة فعاليات معارضة متنوعة بصفة مستمرة، أسبوعية أو شهرية، أمام السفارات المصرية، والمؤسسات الدولية، والبرلمانات، وأماكن صنع القرار، والصحف الكبرى، والميادين الرئيسية، لا سيما في الدول الغربية التي يسمح فيها بالتظاهر، وعدم ممارسة هذه الفعاليات موسميا، كما حدث عند زيارة السيسي لألمانيا وأمريكا.

التغطية الإعلامية من خلال إنشاء قناة وموقع ووكالة أنباء وصفحات رسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، تكون صوتا جامعا للثورة المصرية، خروجا من الدوران في فلك إطلاق قناة ثم تعثرها ثم غلقها، وهكذا دواليك.

ترجمة أخبار جرائم العسكر، ونشر الصور والتسجيلات المصورة التي توثق هذه الجرائم، إلى جميع لغات العالم، وعدم الاقتصار على مخاطبة أنفسنا، وكذلك الترجمة العكسية لما يكتب عن الثورة المصرية من مقالات وتقارير إخبارية ودراسات جادة، ونشرها في الفضاء العربي.

حصر الكفاءات المعارضة في المجالات المختلفة، والاستفادة منها كل في موضعه المناسب، وعدم ترك المجال حكرا على من تصدروا لظروف أو لعلاقات، ليتسودوا المشهد.

توثيق قوائم الشهداء والمصابين والمعتقلين، بالبيانات الكاملة، الاسم، والصورة، ومكان الاستشهاد أو الإصابة أو الاعتقال، والحالة الاجتماعية، ونشرها للعالم، ومتابعة أحوال المعتقلين والمصابين، وذوي الشهداء.

تحريك الدعاوى القضائية الدولية في البلاد التي يسمح قانونها بذلك، لملاحقة مرتكبي الجرائم على اختلاف رتبهم، ومحاولة فرض ما يشبه الحصار على تحركات حكومة الانقلاب وأعضائها.

إنشاء مركز دراسات، مهمته تلقي الاقتراحات، وعمل الاستبيانات والإحصاءات، وتقديم الرؤى والأفكار، لكي تتخذ القرارات بطريقة علمية مدروسة، بعيدا عن المزايدة والارتجال. هذه عشرة ملفات كنماذج، يمكن لإخوان الخارج القيام عليها، إن أحسنوا تنظيم صفوفهم، والاستفادة من أفرادهم، والتنسيق الجاد والمشاركة الحقيقية مع بقية قوى المعارضة، لكي يكونوا عاملا فاعلا في إسقاط نظام السيسي، كما كانت المعارضة الإيرانية عاملا فاعلا في إسقاط نظام الشاة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد