فراخ الجمعية هي أشهر مثال على المعونات التي كانت تقدمها الدولة للفقراء وذوي الدخول المنخفضة أثناء فترة نشاط الجمعيات التعاونية الاستهلاكية، وكانت هذه الفراخ تُباع بسعر رخيص ليستطيع الفقراء شراءها، وكان يوم توزيعها من أهم أيام التكدس المروري أمام منافذ الجمعيات.

كانت مساعدات تقدمها الدولة في الفترة الناصرية عن طريق ما يُسمى بالتموين وهو دعم تقدمه الدولة للفقراء وذوي الدخول المنخفضة في صورة سلع وأغذية، واستمر هذا الأمر حتى الآن ولكن انخفض الدعم الموجه له من الفترة الناصرية مرورًا بما بعدها من فترات.

فراخ الجمعية والتموين كانت للتخفيف من أعباء المواطن المادية ومحاولة مساعدته للتغلب على الغلاء وارتفاع الأسعار، فهي عبارة عن مسكنات لا تحل الأزمة الأصلية للبلاد، وهي أن بلادنا مستوردة ولا تنتج لا غذاءها ولا غيره، وبالتالي فهي تتأرجح مع تأرجحات السوق العالمي.

والأوْلى أن توجه هذه الأموال لدعم التعليم والإنتاج والاقتصاد، لإخراج متعلم يواكب سوق العمل فيستطيع أن يعمل فيه ويكسب قوته وما يسد فقره وعوزه، ودعم الإنتاج يعمل على رفع قيمة العملة المصرية ورفع الاقتصاد المصري وبالتالي زيادة دخل المواطن المصري، ففكرة فراخ الجمعية والتموين هي لسد الأفواه بأي شيء حتى ولو بالقليل.

للأسف هذه النظرة لفقر المجتمع وحاجته انتقلت لجماعة الإخوان والتي معروف عنها جهدها العظيم في مجال دعم الفقراء والمحتاجين عن طريق ما يسمى بلجنة البر داخل الجماعة، وهي لجنة كان أول ظهور علني ومنفصل لها عام ١٩٤٥ بعد صدور قانون الجمعيات الخيرية في عهد النحاس باشا، وأصبح هناك فصل بين جمعية جماعة الإخوان ذات النشاط الشمولي للإسلام، وبين جمعية الإخوان المسلمين للبر والخدمات الاجتماعية.

كان من أهداف هذه الجمعية – طبقًا لموقع إخوان ويكي – دعم الفقراء والمحتاجين وبناء المدارس والمستشفيات والمستوصفات ومراكز تحفيظ القرآن، إنشاء لجان للصلح بين الناس ودعم القيم والأخلاق والحفاظ على عادات المجتمع، دعم الرياضة والاهتمام بفرق الكشافة والجوالة، إحياء المناسبات الإسلامية وإلقاء الدروس والخطب، إيجاد عمل للعاطلين والقرض الحسن وتشجيع الصناعات المنزلية ودعم التعليم وخصوصًا طلاب التعليم الجامعي، إنشاء مدارس للجمعية في القرى للمساعدة في محو الأمية ونشر الثقافة العامة، استخدام السينما والمسرح لنشر الفضيلة وقيم المجتمع المصري.

جمعية بهذه الأهداف هي أقرب إلى جمعيات الخدمات الاجتماعية الشاملةي، وليس كجمعيات إطعام الأفواه ومحاولة إسكات البطون، استمرت الجمعية في عملها في عهد الملكية وبالطبع اختفت تمامًا في عهد الناصرية، ليخرج الإخوان من بعدها من سجون عبد الناصر ويرجعون للعمل في مجال البر، ولكن ليس من منظور جمعية البر والخدمات الاجتماعية للإخوان للمسلمين، ولكن من منظور الجمعيات التعاونية الاستهلاكية المشهور عنها شعار فراخ الجمعية والتموين.

كانت جماعة الإخوان في المواسم الخيرية كعيد الأضحى وشهر رمضان تكون في حالة الاستنفار القصوى لخدمة لجنة البر، كانت لجان الطلاب والأشبال والعمال والأخوات تعمل بكل أعدادها وكاملة طاقتها، يكون العمل محصور بين توزيع الوجبات الغذائية والسلع التموينية ولحوم الأضاحي والصدقات والملابس، العمل أغلبه كان محصورًا في هذا النطاق مع بعض التوسع في مشاريع دعم المرضى وعلاجهم.

هذا النوع من أعمال البر يخلق فقراء ومحتاجين يتعلمون التسول ولكن بطريقة مقننة، يخلق أشخاصًا مكشوفي الوجه لا هَم لهم سوى الأخذ من هذا وتلك، المهم أن يأخذوا حتى ولو كانوا لا يستحقون، هؤلاء يمشون خلف من يعطيهم ويمنحهم، يظهرون له الود والحب والتذلل متى أعطاهم، وتنقلب لمشاعر كره وبغض وحقد وتطاول متى منعهم لأي سبب كان، حتى ولو كان للمنع عنهم سبب وجيه، هذا الآلية نوع من التسول المحترم، ويعمل على خنق نموذج الذين لا يسألون الناس إلحافًا.

ولهذا لم أستغرب عندما اختفى الإخوان من ساحة العمل الخيري أن يتطاول عليهم هذا النوع من المتسولين الجدد، بل ويكونون شوكة في ظهورهم يبلغون عنهم الأمن، ويسيرون في الناس بالشائعات عن سرقات الإخوان من العمل الخيري، وأن الإخوان يستحقون ما يحدث لهم، بل رأيت الشماتة في وجوه بعضهم عندما تم اعتقال أحد قيادات العمل الخيري من منزله، وكان بعضهم يقف لينظر على المنظر ويضحك شامتًا رافعًا صوته بأنهم يستحقون ما يحدث لهم لأنهم لصوص وقتلة ويريدون تخريب البلد، والبركة في الرئيس السيسي الذي ضبط وضع البلاد.

هذه النوعية من الفقراء والمحتاجين نلتمس لهم العذر بسبب العوز والحاجة والفقر، لكن الذي أخطأ في هذا الأمر الإخوان بطريقتهم في إدارة أعمال البر، والحديث الآن يكثر عن إصلاح الجماعة وتطويرها، ومن أهم الملفات المطلوب إصلاحها والنظر في طريقة العمل بها هو قسم البر، وليس القسم فقط بل استراتيجية أعمال البر والخدمات الاجتماعية.

فالتطور في لجنة البر لا بد أن يتم على عدة محاور منها فصل العمل الخيري عن الدعوي والسياسي، وتطوير آليات أعمال البر والخدمات الاجتماعية، والتوسع الأفقي في الخدمات الاجتماعية.

فأولًا يجب أن يتم فصل العمل الخدمي وأعمال البر عن أقسام الجماعة الدعوية، فيصبح منتسبو هذا القسم مختصين في مجال البر والأعمال الخيرية، ويجب أن يشاركهم فيه كل أفراد المجتمع الراغبين في العمل الخدمي وأعمال البر، وألا تكون هذه الأعمال مغلقة عليهم، وهذا الفصل يتيح لأعضاء القسم تطوير ذاتهم في هذا المجال، والتواصل مع نظرائهم داخل البلاد وخارجها، ويوسع مداركهم في مجالات العمل الخدمي وأعمال البر.

وفصل الخدمات والبر عن السياسية أمر هام جدًا، حتى لا تتأثر أعمال البر والخدمات بمطبات السياسة، وحتى لا تكون وسيلة ابتزاز سياسية للناخبين من الفقراء والمحتاجين، وحتى لا يصل لجموع الشعب أن أعمال البر والخدمات لها غرض سياسي وانتخابي، بل هي أعمال يقصد بها إغاثة الفقراء والمحتاجين ورد جميل للمجتمع، وبناء مجتمع صحي عفيف متزن.

تطوير آليات أعمال البر والخدمات الاجتماعية عن طريق التقليل بقدر كبير من فكرة فراخ الجمعية وإطعام الأفواه، إلى فكرة علمني الصيد ولا تعطني سمكة، أن يكون التركيز على تطوير قدرات الفقراء ليكونوا منتجين ونافعين، وليس متسولين بوجه مختلف، يكون التركيز على إنشاء المشاريع الصغيرة المنزلية التي تزيد من دخل الأسر الفقيرة، الاهتمام بأبناء الفقراء ومساعدتهم على العمل بعد انتهاء دراستهم، التفكير في توفير مبالغ نقدية من أعمال البر التي تصرف على المأكولات والملبوسات لمحاولة إنشاء مصانع صغيرة يعمل فيها الفقراء، وبتطوير هذه الآلية والاستمرار فيها نستطيع أن نقضي على الفقر بالتدريج، وتكوين فرد عفيف مستقل لا يعتمد على من يعطيه طعامه، بل يفكر ويتخذ قراره بنفسه.

التوسع الأفقي في أعمال البر والخدمات الاجتماعية ، لتطال مشاريع محو الأمية عن طريق إنشاء المدارس، مشاريع تحسين الحالة الصحية للمجتمع عن طريق نشر ثقافة الوقاية خير من العلاج ونشر ثقافة الكشف الدوري وتوفير مراكز صحية لهذا الغرض، الاشتباك مع مشاكل البطالة ومحاولة زرع ثقافة المشاريع الصغيرة والمصانع المنزلية، العمل في مجالات خدمة ذوي الاحتياجات الخاصة وتطوير قدراتهم ليكونوا أفرادًا منتجين لا فقراء أو متسولين.

المشاركة بقوة في المشاريع الثقافية التي تتبنى توسيع ثقافة المجتمع وتنميتها، والعمل على بناء مجتمع مثقف واع لما يدور حوله، لا تخدعه كلمة هنا أو موقف هناك، الاهتمام بالمبدعين في كل المجالات الأدبية والفنية والمسرحية والسينمائية والعلمية والشرعية، تطوير ثقافة الاهتمام بالرياضة لأنها من أهم عوامل بناء المجتمع الصحيح بدنيًا وعقليًا ووجدانيًا.

الغريب أن كل ما نطالب به في تطوير هذا القسم، نصت عليه مبادئ جمعية البر والخدمات الاجتماعية للإخوان المسلمين المشهرة عام ١٩٤٥، وكان الإخوان في الفترة الملكية يعملون على كل هذه المحاور جميعًا وكان لهم إنجازات فيها، بمعنى آخر نطالب الإخوان أن يرجعوا لأصول فكرتهم ويحاولوا أن يضبطوا الاعوجاج الذي حدث بعد المحنة الناصرية مع مواكبة العصر وتطوراته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد