اتخذ الإخوان القرار الخطأ بالنزول لمعترك الرئاسة في مارس 2012، وأصروا عليه، وكان ما كان، وكانت الآلية قرار مجلس شورى الجماعة، ولما تناقش أحد كبارهم يقول لك:

ـ القرار عن مجلس الشورى، هل تُشككُ في قيمة الشورى؟!

ولا يقولون لك إن الشورى في أمر تعقد لمرة واحدة ويؤخذ بقرارها، ولا تتكرر وصولًا للنتيجة التي يريدها البعض، وإن الأمر على هذا النحو لا علاقة له بالشورى من الأساس، فلما يُلقي مائة وعشرة أو أقل من الأشخاص بمصير مصر والأمة في أتون معركة لا نهائية الأفق، ولا يعلم منتهاها إلا الله، عن غير إعداد ولا دراسة ولا كفاءة، فمن العار أن يحدثنا أحد عن الشورى البريئة من الأمر تمامًا، بل رفض مجلس شورى الإخوان نفسه الأمر لمرتين متعاقبتين، ولا تسمع الجماعة لتحذيرات المخلصين منها، ومنهم الدكتور البلتاجي الذي قال في يونيو 2011 إنه يشعر بأن هناك مؤامرة عالمية للدفع بالإخوان المسلمين في أتون معركة الرئاسة المصرية للقضاء عليهم.

والجماعة حتى بعدما انساقت وراء ما انساقت إليه من ميول، ولا أقول أطماع البعض منها، كانت أمامها فرص تاريخية للخروج من هذا المأزق الشديد الضيق الذي يستحكم حولها ثانية بعد أخرى، ولا أقول ساعة ولا يوم، وهي لا تملك من الأصل مجرد وحدتها هي، وهي أقرب إلى الحق، فيما عدوها الانقلابي المجرم الخائن على الباطل، وكثيرًا ما يساور صاحب هذه الكلمات يقين بأن المعركة من الأساس يمكن إجمالها في عسكر غير أمين يواجه إخوان، وإن كانوا أمناء فهم غير أذكياء، والأمر لا يخلو من استثناءات في الحالين، ولكن شواهديّ، ولدي هنا شاهدان عزيزان على النفس، لستُ في حل من ذكر اسميهما، أما الأول فقال: إنه سبتمبر 2013 استدعت الولايات المتحدة الأمريكية وفدًا مصريًّا من الإخوان ذا طابع عالٍ لتسألهم عن رؤيتهم للحل، وكان ذلك عقب مجزرة رابعة العدوية وعشرات المجازر الأخرى في عموم مصر، فقالوا إنهم لا يعلمون حلًّا، هكذا باختصار إذن يسوقك عدوك إلى موتك سوقًا وتلاقيه بلا أدنى قدرة حتى للدفاع عن نفسك، أو حسن التعبير عنها، وربما كان السادة الأفاضل يظنون أن الولايات المتحدة، التي أوقعتهم في هذا الفخ بوضوح، لديها حل لإشكالياتهم، وربما كان الأمر خاضعًا لمقولة إن الله ناصرهم لأنهم جنده، ليس أكثر، وليتهم قرأوا كتابات الشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، جيدًا عن سنن الله الكونية التي لا تحابي أحدًا ولا تجامل مسلمًا ولا صهيونيًّا، وإن الأخير لو نزل الماء مع عداوته لله، ونزله مؤمن حافظ لكتابه، وكان على أحدهما أن يغرق لغرق حافظ كتاب الله ما لم يكن يعرف فن العوم، أما الإخوان اليوم فإنهم ينزلون النيران ويظنون إن الله ناصرهم لمجرد أنهم يحسنون عبادته، في الأغلب، والأمر أمر سياسة وقوة وتوازنات لو يعلمون.

أما الشاهد الثاني فيقول إن إحدى الدول الكبرى العربية استدعته للتوسط في حل لدى الإخوان؛ فرفضوا تمامًا، وبعد عام فقط رجوه أن يعيد الكرة فرفض، وبالتالي فقد الإخوان مع الزمن وإدمان تضييع الفرص جميع فرصهم في الحل، وهم لا يدرون إذ يصطرعون من داخلهم، ويتهم بعضهم بعضًا بالتخوين والعمالة وتقاضي الأموال، وكل حزب فيهم فرح بما توصل إليه، وحتى مجرد الظن إن هناك حزبًا منهم قادر على لملمة الأمور لحسابه هو مجرد وهم لا أكثر، فالبعض ليس إلا قاطعًا للطريق، حريصًا على النهب والسرقة من المال العام وتوريط الجماعة فيه، ومثل هؤلاء المندسين والصمت عليهم يثبت أن صف الإخوان به الذين لا يراعون دنيا غيرهم، ولا دينهم. والجماعة بالكاد تقصي واحدًا فقط من هؤلاء، فيأبى إلا ألّا يجيب أمرها، وهو مدان، ويستمر في الحرب.. حربها، نفسها، على الفضائيات وفي الأستديوهات باسم قيادي في جماعة الإخوان. ومثل هذا لا تهمه الجماعة ولا الملايين الذين يعانون في مصر وخارجها، طالما أنه آمن في سربّه لديه مال يكفيه وعياله من حوله، ودولة وأخرى تقبله، إن ضاقتْ به وبألاعيبه مدينة!

إن الإخوان اليوم مطالبون أكثر من أي زمن مضى بفهم أنهم يخسرون قضية الوعي تمامًا، فلا هم الذين ألموا بوضعهم وقضاياهم وخطورة موقفهم، ولا الشعب المصري الذي أرادوا حكمه فهم لما فعلوا، والتجربة التي هي على المحك اليوم تقضي بالفشل الذريع لهم، وأخشى أن تقضي عليهم، وفرع الجماعة في الأردن منذ أيام يعلن انفصاله عن الأصل في مصر، وأعرف وجوهًا إسلامية في الغربة تتملل ضدهم، ولعل ما خفي أعظم، والأمة العربية الإسلامية كلها تعاني بفضل سياسات الاستخفاف الخاصة بالجماعة التي لا تصب في النهاية إلا في مصلحة عدوها وعدو الأمة، أما «الهرطقات» من باب: النصر المحلق فوق الرؤوس، والأحلام والمبشرات، فما هي إلا مخدرات لا أكثر لاستمرارية الوضع، وإن كانت صحيحة أو بعضها في غير هذا السياق، ويوم تفيق الجماعة من كبوتها، وترى مصيرها، وتصدق نفسها قبل ربها، ولا تعاني أزمة في الوعي، وطرف من اللصوص وتجار الأزمات والحروب، والمتنازعون على فارغ الدنيا والملايين تزلزل في مصر والأمة، يومها تبدأ وضع قدمها على الطريق الصحيح!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد