لعل أكثر ما يميز تنظيم الإخوان المسلمين عن غيره من التنظيمات والتيارات العاملة على الساحة هو تلك الرابطة المتعددة العلاقات بين أعضائه فهي اجتماعية من ناحية ودعوية من ناحية أخرى يتخللها دائما وظائف حياتية وشراكات عمل أو قرابة نسب ومصاهرة، الأمر الذي جعل هذا التنظيم قويا متماسكا صلبا في مواجهة أعتى الأجهزة الأمنية منذ الملكية وحتى مرحلة شبه الدولة إلا أنه في الآونة الأخيرة انتشر بين أفراد صف الإخوان داء «الأمنجوفوبيا» وهي في نظري مرحلة ما بعد الاختراق.

مصطلح «الأمنجوفوبيا» قصدت به تلك اللوثة التي أصابت العقل الجمعي للأفراد في التعامل مع الآخر حيث يتبنى الفرد أن الأصل في الآخر «الأمنجة» والعمالة والتعاون مع الجهات الأمنية حتى يثبت العكس سواء كان هذا الآخر فردا أو جماعة أخرى عاملة كما أن أية شبهة على عضو ما داخل التنظيم أو الجماعة من شأنها أن تلحق بصاحبها سبة الدهر وعاره وأن يلاحقه ذلها أينما ارتحل أو أقام مع فرض عزلة إخوانية غير مبررة ولا مفتعلة ولا مأمور بها حيال الأخ صاحب الشبهة كتلك التي فرضها الله عز وجل على الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب الله عليهم ليتوبوا.. الا أن التنظيم لا يستتيب أحدًا وإذا ظهرت براءة أحدهم مما ألصق به فليس ثمة من يعرف بالخبر إلا تلك الدائرة الضيقة من أهله و أصدقاء عمله من الصف وبعض المقربين له.. على أن هؤلاء أيضا ليس من شأنهم التحدث ببراءة ذمة صاحبهم ابتداءً بل لابد أن يثار الموضوع أمامهم قدرا وهو أمر نادر الحدوث لا سيما وأن غيرهم يحبسهم عن الكلام أمامهم علمهم بقرابتهم له وإن تحدثوا وأبانوا فستحمل حججهم على التحيز والرأي لا الأدلة القاطعة وعلى كل فإن هذا الأخ المشتبه به قد اغتيل معنويا ظهرت براءته أم لم تظهر.

ولهذه البلية عدة أسباب أظهرها هو الجهاز الأمني نفسه الذي يغذي ذلك الشعور بل ويعمل جاهدا عبر عناصره الحقيقية على رمي كثير من الشرفاء الذين لم يستطع أن يثنيهم عن عزمهم بوسائل بطشه وسلطان سيفه وبريق ذهبه فيعمد إلى بث الشائعات حولهم وكسر هالة شخوصهم حتى يفضي بهم الأمر إلى العزلة والانزواء كما أريد لهم.

ثاني هذه الأسباب متمثلة في آليات العمل التنظيمي التي عجزت عن سد هذه الثغرة وإيجاد حل لهذه المعضلة فلا يوجد تنظيم بشري يستطيع أن يتعرف على العملاء المدسوسين أو ينفي الشبهة عن الشرفاء المظلومين على وجه اليقين وإلا كان هذا التنظيم مخترقا من أعلى إذ كيف من شأنه أن يقطع بالعمالة من عدمه إلا إذا كان مصدر المعلومة هو الطرف الآخر الذي جرت العمالة لصالحه كما أن لحظات الانهزام والضعف كفيلة بأن تجعل الجسد التنظيمي ضعيفا تجاه تلك الأمراض المزمنة ومستقبلا جيدا لها.

ثالث هذه الأسباب وأهمها هو تتابع الاختراقات على مستوى كثير من الشرائح أفقيا ورأسيا بما يوحي بالخلل وهز الصورة النمطية للبناء الهرمي التنظيمي والإيحاء بأن الأجهزة الأمنية تعرف جل الأمور ودقيقها كما أن عددًا لا بأس به من هذه الاختراقات لم تكتشف بعد وإذا استخدمنا بعض نظريات الاحتمال في الإحصاء فإن الإجابة تكون أن الجميع موضع اتهام ولو بنسبة ضئيلة.

إن ما دفعني لكتابة هذه السطور ليس حرصي على حراسة الفكرة ولا حماية التنظيم فحسب ولكن تلك المظلوميات التي من شأنها أن تهدم دولا إسلامية قائمة مستقرة فكم من شريف حر أبي لم تؤثر فيه عذابات سجن ولا رصاصات مستبد ولا إغراءات جبان ولكن أقعدته سكاكين الألسنة والاتهام بالباطل فمات كمدا وقهرا، وكم من شاب ترك ملذات شبابه ورفقة أقرانه وقفز على عمره ليحمل هم قضيته على كتفيه صارخا في وجه المستبد أن للفكرة حراس وللعقيدة متراس فما لبث قليلا حتى شعر بوخز الطعنة يأتيه من الخلف فقعد مكانه لا يدري إلى أي الأعداء يولي ظهره، وكم من كبير قوم رأى الزعامة ترفا إن لم يقم بحقها فوقف مع المخلصين وسار مع الصادقين ناسيا في الحق مقامه بين قومه فكسر المرجفون هالته ودنسوا عمامته ثم تركوه في منتصف الطريق لا كما كان ولا إلى ما كان يرجو .. والكثير والكثير وإني لأعلم أن المتابع المهتم والمتفحص الدقيق وحتى القارئ العابر لا شك وقد تعرض لمثل هذه الحالات في صديق أو قريب أو جار أو في لحن القول فالمتورعون قلة وإذا سألت عن أسباب رمي الناس بهذه البلايا قيل لك – بعد صمت يوحي بحكمة وإنه لخواء – أن الأخ اعتقل أسبوعًا واحدًا فقط ثم خرج سريعا أو أن أحدًا رآه مع ضابط بالأمن – فلعل بينهم قرابة – أو أنه اعترف على بعض زملائه – فلعله عذب وأكره – أو أنه سافر خارج البلاد بالطائرة – لعل اسمه ليس مدرجا – وإن أسخف ما سمعت أن قال أحدهم عن أخيه أنه دائم السؤال عن التفاصيل.

لا استطيع أن أقول إلا أنني أشعر بحالة بين الموت والحياة كلما وضعت نفسي موضع واحد من المتقول عليهم، أي ظلم هذا وأي بؤس وأي شقاء أن تفني عمرك من أجل فكرة ثم تتهم بخيانتها. إيه ثم إيه أما والله إن الله يسمع أنينهم فهم لا يتوقفون عن الأنين وإن رأيتهم صامتين وإن الله يرى دموعهم فهم لا يتوقفون عن البكاء وإن رأيتهم باسمين وإن الله يعلم كسر قلوبهم وإن بدوا متماسكين أمامك. وإني لأعجب من جرأتنا على الله كيف نرجو منه نصرا على من ظلمنا ونحن لم نقم العدل بيننا بعد.

إن هذا الأمر يبدأ بكلمة لعلها كانت هاجسا في رأس أحدهم يوما ما فيتلقفها الآخر ظنا مبنيا على شك فينقلها حدثا فحدثا إلى أن تصبح حقيقة لا تحتاج إلى قرينة أو بينة وإن الذنب كل الذنب على الناقلين مع ردع صاحب الكلمة الأولى وعقدة الأمر في الامتثال لنهي الله عن الغيبة وحفظ الألسنة وعدم رمي الناس بالباطل ومقاومة خطرات السوء والحرص على صحبة الصالحين فإن لم يردعك إيمانك حفظك إخوانك وإلا فالهلكة الهلكة للفرد والجماعة فإن هذا الذنب قد تعجز التوبة عن رده وحاشا للتوبة أن تعجز عن رد ذنب ولكن أنى للتائب أن يحقق شرط التوبة الرابع في رد المظالم وقد بلغت كلمته الآفاق ولم يحدها لسانه ولا سمع أخيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد