يمر الإخوان المسلمون في مصر منذ الانقلاب العسكري وحتى الآن بمحنة شديدة يتعرضون فيها للقتل والاعتقال والمطاردة ومصادرة الأموال والهجرة القسرية والوصم بالإرهاب، والدين والإنسانية والمصلحة الوطنية في مصر تتطلب من الجميع في الداخل والخارج العمل على رفع الظلم الواقع عليهم.

وجماعة الإخوان المسلمين التي تشهد انقسامًا حادًا يهدد كيانها ووجودها، يعتقد كثيرون أن الوقت قد حان لإجراء مراجعة شاملة للمنطلقات الفكرية للجماعة، والمحاسبة على الأخطاء التي وقعت في الممارسة والتطبيق والتي تحمل أعضاء الجماعة والمتعاطفين معها في الداخل والخارج الجزء الأكبر من تبعاتها وويلاتها.

وتجربة الإخوان المسلمين في الحكم أظهرت وبجلاء افتقاد قادة الجماعة للحنكة السياسية في التعاطي مع الواقع ومع المستجدات في مصر وفي المنطقة والعالم.

 

عام في الرئاسة

نجح الإخوان في تصدر المشهد السياسي في مصر بعد ثورة 25 يناير، والعام الذي قضاه الرئيس مرسي في السلطة كان كافيًا للبدء في عملية الإصلاح ووضع قاطرة النهوض على المسار الصحيح، وكان من الممكن تحقيق إنجازات خلال ذلك العام على صعيد بناء المؤسسات وتقوية المجتمع المدني وفتح المجال أمام الشباب لقيادة عملية التحول الديمقراطي، ولم يكن المطلوب من الرئيس مرسي والإخوان إصلاح فساد وأخطاء أكثر من ستة عقود، لأنه من الناحية العملية مستحيل، ومع ذلك بدء الإخوان به، وكان من الأجدى وضح خطة محددة المعالم للإصلاح الشامل تتم في وجود الإخوان أو في غيابهم.

والدليل على فشل الإجراءات التي قام بها الإخوان هي أن سلطة الانقلاب قامت خلال شهر واحد بإلغاء جميع القرارات والتغييرات الإصلاحية التي أجراها الرئيس مرسي والإخوان، والهدف من ذلك هو تثبيت دعائم الانقلاب، وهو ما فشل الإخوان في البدء به، وفشلوا في استغلال الظروف التي كانت مهيأة ومؤهلة لذلك والمتمثلة في الحراك الثوري، ووقوف تيارات سياسية وقطاعات كبيرة من الجماهير في صفهم، ووجود الأمل والرغبة في الإصلاح والتغيير لدى كثيرين.

 

الموقف الداخلي

من الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها الإخوان سوء تقدير الوضع الداخلي، والقراءة الخاطئة للمشهد العام في مصر بعد الثورة، وعدم الوعي بحجم التحديات الداخلية التي ستواجههم في الحكم، وحجم التركة المترهلة التي ورثوها بعد عقود من الفساد الممنهج للنظم السابقة.

والإخوان فشلوا في تكوين تيار سياسي جامع لأنهم لم يمتلكوا القدرة على تجميع الصفوف والاتفاق على خطة جامعة للإصلاح والنهوض بالبلاد.

ومواقف من الإخوان من القوى والتيارات السياسية الداخلية لم تكن موفقة ولم تكن صحيحة، وحدث ذلك مع المؤسسة العسكرية التي تحالفوا معها عقب الثورة، ومع التيارات الدينية مثل السفليين، ومع التيارات المدنية الأخرى، بل مع التيارات القريبة من توجهاتهم الإصلاحية أيضًا.

ومن الأخطاء التي وقع فيها الإخوان عدم القدرة على الموازنة بين الشرعية الثورية والشرعية الدستورية، وتغليبهم للأخيرة وهو ما أضر بمشروعية الجماعة وصرف القوى الثورية عنها.

والإخوان لم ينتبهوا للخطر الداهم المتمثل في السلفيين المعروفين بعلاقاتهم مع الأجهزة الأمنية والمناصرين للدولة حتى ولو كان ذلك على حساب الدين والقيم والأخلاق وهو ما بدا جليًا بعد الانقلاب العسكري.

والإخوان لم يُحسنوا تقدير حجم وإمكانات وتأثير الدولة العميقة، ولم ينتبهوا لتغلل المؤسسة العسكرية في القطاعات الحيوية في الدولة ولخطر الفلول ورجال الأعمال أصحاب المصالح المرتبطة ارتباطـًا وثيقًا مع الدولة ومع الفاسدين من المسؤولين بصفة خاصة.

والإخوان خلال فترة حكمهم لم يُبقوا على صديق وانفض الناس من حولهم، وعاشوا في حالة من الوهم غذاها الحديث عن قوتهم وتنظيمهم، وعاشوا حالة إنكار للقلق والخوف الذي تزايد لدى قطاع عريض من الناس من جانب والاضطرابات وأعمال العنف التي طالت مقراتهم من جانب آخر، ومع ذلك لم يراجعوا أنفسهم ويدركوا أنهم يسيرون نحو الهاوية التي ستكلفهم – وقد كلفتهم بالفعل – كثيرًا خصمًا من تاريخهم ونضالهم ومصداقيتهم وثوريتهم ووطنيتهم.

والاعتذارات عن تولي المناصب الوزارية والحكومية في عهد الإخوان كانت مؤشرًا آخر على أزمة الإخوان في السلطة.

والاستقالات المتوالية لمستشاري الرئيس مرسي كانت بمثابة إنذار وتحذير بأن مركب الجماعة على وشك الغرق، ومع ذلك لم يتغير شيء في نهج الرئيس مرسي ونهج الجماعة في التعاطي مع الشأن الداخلي وعدم الرضا على طريقة إدارتهم لشؤون البلاد، وقبل الانقلاب بشهور كانت هناك مؤشرات قوية على اقتراب نهاية حكم الإخوان، ولكن يبدو أن قادة الإخوان كانوا مغيبين ولم يتنبهوا ويأخذوا حذرهم من المؤامرات الداخلية والخارجية التي كانت تُحاك ضدهم.

 

الإخوان والإعلام

لا يخفى على أحد حجم التأثير الكبير لوسائل الإعلام المختلفة على الجماهير سواء المتعلمين وغير المتعلمين، ودوره في تشكيل الرأي العام وصناعته، وعلى الرغم من ذلك لم يهتم الإخوان بالإعلام، وهو من الملفات التي فشل فيها الإخوان بجدارة.

والإخوان لم يستطيعوا مواجهة سيل الهجوم والاتهامات التي كالتها وسائل الإعلام المحسوبة على الفلول ورجال الأعمال لهم، ولم يكن لهم سوى صحيفة واحدة هي صحيفة “الحرية والعدالة” التي لم ترق من الناحية التحريرية والفنية للمستوى المهني المطلوب لمنافسة وسائل الإعلام الأخرى، والقنوات الفضائية الدينية كانت في مجملها تابعة للسلفيين.

وصلاح عبد المقصود الذي تولى وزارة الإعلام في عهد الدكتور مرسي لم يترك أية بصمة ولم يحدث في عهده أي تغيير إيجابي يذكر، وبقي الحال كما هو عليه، وفوق ذلك استمرت الصحف القومية والقنوات الرسمية في معارضة الإخوان وفي التخويف منهم والتحذير من مخططاتهم للسيطرة على الدولة “أخونة الدولة”.

والقنوات الفضائية الداعمة لتحالف دعم الشرعية لم تنجح في ترك بصمة لعدة أسباب منها ضعف التمويل، وضعف الكوادر الإعلامية، والنهج الذي تسير عليه هذه الفضائيات من نقد وعدم تقديم بدائل لحلحلة الوضع الحالي في مصر.

والإعلام الذي لم يُحسن الإخوان استغلاله إبان فترة حكم الرئيس مرسي استخدم كوسيلة لتشويه صورة الرئيس مرسي وتشويه صورة الإخوان ونجح في ذلك نجاحًا منقطع النظير، وذلك من خلال الحملات الشرسة والمسعورة المستمرة ضدهم، والسباب والشتائم التي توجه إليهم، وشيطنتهم ووصمهم بالإرهاب، وتحميلهم المسؤولية عن المشكلات المتراكمة منذ عقود، وفشل قادة الانقلاب في إدارة شؤون البلاد يعلق عادة على شماعة الإخوان.

 

الإخوان والسياسة

القصور السياسي الشديد لدى قادة الإخوان ضيع فرصة تاريخية للإصلاح والنهوض ليس بمصر وحدها وإنما بالعرب والمسلمين، وتجربة الإخوان السياسية في البرلمان والرئاسة خصمت من رصيدهم وتاريخهم وعرضتهم لاضطهاد ربما يكون غير مسبوق في تاريخ الجماعة.

والخطأ السياسي الكبير الذي وقعت فيه جماعة الإخوان المسلمين هو الدفع بمرشحين للرئاسة على الرغم من النصائح التي وُجهت إليهم، وعلى الرغم من الانقسام الحاد داخل الجماعة بشأن الدفع بمرشح للرئاسة، وكان من الأفضل اختيار ودعم شخصية عامة من خارج الإخوان، وهذا التصرف فعل سياسي وبراجماتي بامتياز ولكن الجماعة غفلت عنه.

واختيار رئيس من خارج الجماعة كان الأفضل والأنسب لأنه في هذه الحالة سيتحمل جزءًا كبيرًا من الانتقادات التي طالت الرئيس الإخواني والإخوان أنفسهم، ولذلك من لم يكن من الحصافة السياسية المشاركة المباشرة في انتخابات الرئاسة.

ومشكلة الإخوان السياسية تمثلت في وهم القوة والتنظيم الذي سيطر على قيادات الجماعة ودفعهم لاهتبال الفرصة السانحة والسيطرة على البرلمان والرئاسة دون أن يكون لديهم مؤهلات للقيادة وأدوات للحكم.

ومن الأخطاء التي وقع فيها الإخوان تغليب نهج التدرج في الإصلاح على النهج الثوري في أعقاب ثورة على الفساد والظلم والتهميش الذي استمر لعقود، ظنًا منهم أن لديهم الوقت الكافي لإجراء الإصلاحات التي يرغبون فيها.

 

الموقف من القضاء

القضاء كان الأداة الرئيسية في إنهاء حكم الإخوان والقضاء على ثورة يناير ومكتسباتها. والقضاء من المجالات التي فشل الإخوان في التعامل معها وفي إدارة الصراع مع رموزه، وهذا الفشل تمثل في اختيار الرئيس مرسي لمستشار سوء في مجال القضاء أوقع الرئيس في عدد من الإشكالات القضائية أهمها الإعلان الدستوري الذي ألب تيارات وقطاعات عريضة ضد الرئيس مرسي وضد الإخوان.

وإدراك الرئيس مرسي لفشله في مواجهة القضاء دفعه إلى الاستعانة بالمستشار بجاتو وتعيينه وزيرًا للشؤون القانونية والنيابية، ولكن هذه الاستعانة كانت متأخرة جدًا، وجاءت بعد فوات الأوان ولم تكن هناك فرصة لتدارك الأخطاء التي وقع فيها الرئيس مرسي.

ومن مظاهر فشل الإخوان في ملف القضاء التأخر في إصدار قانون السلطة القضائية الذي قُوبل باعتراضات وتهديدات من قبل القضاة ومن نادي القضاة على وجه التحديد.

والإعلان الدستوري الذي أصدره الدكتور مرسي بدون استشارة حتى من نائبه المستشار محمود مكي أو من وزير العدل المستشار أحمد مكي شكل نقطة تحول وعلامة فارقة في حكم الرئيس مرسي حتى وإن كان إصدار ذلك الإعلان حتميًا ولازمًا، لأنه أعطى المعارضين له الحجة والذريعة لمقاومة ما سموه مخططات الإخوان للسيطرة على الحكم.

والرئيس مرسي والإخوان دخلوا في صراع غير متكافئ مع القضاء الذي حل المجالس النيابية المنتخبة مثل مجلسي الشعب والشورى والجمعية التأسيسية الأولى، والقضاء بعد الانقلاب نكل بالإخوان وتحولت محاكماتهم إلى محاكمات سياسية ابتعدت كثيرًا عن القضاء وأدواته، وحرمت الإخوان من الحقوق التي كفلها الدستور وكفلتها القوانين.

 

الموقف من الخارج

كما لم يُحسن الإخوان قراءة المشهد الداخلي وتعقيداته لم يُحسنوا كذلك قراءة المواقف الخارجية من ثورة يناير ومن وصولهم للحكم، والمواقف الخارجية تمثلت في مواقف الدول العربية المتخوفة من نتائج الثورات العربية، والتي رأى فيها البعض تهديدًا للنظم الحاكمة القائمة، وتهديدًا للمصالح الاقتصادية المتمثلة في مشروع تنمية قناة السويس وتأثيره على المناطق الاقتصادية لبعض الدول ومنها منطقة جبل علي في الإمارات.

ومن الأمور التي تحتاج إلى توضيح موقف الإخوان من الغرب وموقف الغرب منهم، والسؤال هو: هل كان الغرب على استعداد لتقبل وصول الإخوان للحكم والتعامل معهم؟ أم أنه كان رضًا مؤقتًا ومبيتًا لتفيذ أمر ما تم بعد ذلك وهو إزاحة الإخوان عن الحكم وإضعافهم بشكل كبير.

وموقف الولايات المتحدة وموقف الاتحاد الأوروبي المؤيد للانقلاب العسكري الدموي في مصر يدل على عدم نجاح الإخوان في إقناعهم بقدرتهم على إدارة شؤون البلاد وعلى الحفاظ على مصالحهم في المنطقة.

ويبدو أن الإخوان أغفلوا خوف الغرب من الخطر الأخضر المتمثل في الإسلام وفي جماعات الإسلام السياسي على وجه الخصوص، واستشعار الغرب للخطر الذي يهدد أمن ربيبتهم إسرائيل، وأغلفوا كذلك مصالح الغرب الاقتصادية في المنطقة.

ومن الأخطاء التي وقع فيها الرئيس مرسي الخطب الحماسية والعنترية، ومنها الحديث عن ضرورة امتلاك بلد منهك مثل مصر للغذاء والدواء والسلاح، وكلها أمور حساسة وخطيرة للغاية لا يمكن الوصول إليها إلا بخطط استراتيجية طويلة الأمد، وعندما نقارن مواقف وتصريحات الدكتور مرسي مع مواقف وتصريحات أردوغان في بداية حياته السياسية نجد البون شاسعًا، فعندما سألوا أردوغان عن خططه ومشاريعه المستقبلية قال إن أولوياته تتمثل في إصلاح نظام الصرف الصحي في أسطنبول، وبعد سنوات قلائل من تولي أردوغان للسلطة نهضت تركيا ووصلت إلى ما هي عليه الآن من نمو وتقدم في جميع المجالات.

 

التعامل مع الأزمات

الأحداث التي شهدتها مصر والمنطقة العربية أظهرت قوة الدولة العميقة في الدول العربية، وأظهرت حجم العداء الداخلي والخارجي للإسلاميين ومحاربة تجارب حكم الإسلاميين، وأظهرت كذلك ضعف التنظيمات الإسلامية وعدم قدرتها على إدارة شؤون الدولة نتيجة الضعف السياسي وعدم قدرتها على الاندماج في المجتمع وخلق تيار أساسي يجمع طاقات وتيارات المجتمع ويوظفها في عملية الإصلاح والنهوض.

وما لم تدركه كافة التنظيمات الإسلامية باستثناء حركة النهضة في تونس هو أن العمل السياسي في ظل أجواء التربص والفتنة يشبه السير فوق حقل من الألغام، ويوجب عليها توخي الحذر في كل خطوة تخطوها، والتريث في اتخاذ القرار والحفاظ على المكتسبات السياسية التي تحققت.

 

ضرورة المراجعة الشاملة

المطلوب من الإخوان في المرحلة الحالية هو إجراء مراجعات شاملة للأفكار والمنهج والأسلوب الذي تعتمده الجماعة والذي فشل في مراحل تاريخية متعاقبة وجر على الجماعة وعلى المجتمعات ويلات عديدة كان من الممكن تجنبها.

والجماعة مطالبة بإجراء مراجعات للمنطلقات الفكرية المتعلقة بعلاقتها بالدولة، وقد رصد المفكر جاسم سلطان عددًا من الأفكار المربكة سماها (قضايا السطح) ومنها ثنائيات: إسلاميون أم مسلمون، الإسلام نظام شامل أم منظور شامل، التمكن من المجتمع أم تمكين المجتمع، مهمة الدين: السيطرة أم البلاغ، وغيرها من الأفكار التي طرحها في كتابه “أزمة التنظيمات الإسلامية – الإخوان نموذجًا”.

والهدف المرحلي الذي ينبغي على الإخوان أن يسعو إليه هو الدعوة إلى الاصطفاف الوطني ولم شمل القوى الثورية، والتحالف مع التيارات التي تعارض الانقلاب وتقف ضد ممارسات الانقلابيين بحق مصر والمصريين بل والعرب والمسلمين، وهناك تيارات يمكنهم التعاون معها مثل الاشتراكيين الثوريين، وحركة 6 أبريل، وغيرهما من التيارات الثورية والحركات الشبابية.

 

الحل في مصر

الحل في مصر يتطلب أولًا وقبل كل شيء رفع الظلم الواقع على الإخوان، لأن أخطاء الإخوان في الحكم قُوبلت بجرائم ضد الإنسانية وجرائم ضد الوطن والمواطنين.

والهدف الذي يجب على الجميع أن يعملوا من أجل تحقيقه هو الحفاظ على ما تبقى من صورة الجيش المصري وإبعاده عن المعترك السياسي، وهذا الهدف بحاجة إلى جهد كبير ووقت طويل، ويمكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال.

ومصر لكي تخرج من الأزمة الحالية بحاجة إلى تشكيل تيار وطني جامع تُشارك فيه جميع مكونات المجتمع يجنب مصر مخاطر انهيار الدولة وحدوث الفتنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد