خرق الخضر عليه السلام السفينة على الرغم من معرفته بأن أصحابها مساكين وأن ملكهم غاصب ظالم. هذا ومن كان معه؟ إنه موسى عليه السلام، الرسول الذي واجه فرعون أعتى عتاة الأرض حينها.

إذًا ولأن فعل الخضر حينها كان بوحي، فنعلم من ذلك أن الحكمة حينها اقتضت خرق السفينة لا مواجهة الملك. نعم سيتضرر المساكين ويكلفهم ذلك الوقت والمال والتأخر عن التجارة… إلخ. لم يذهب الخضر بموسى لمواجهة الملك، وهما من يوحى إليهما، وكانت مساعدتهم للمساكين هي إيذاؤهم بما يفسد السفينة في أعين الملك ليتركها!

مرة أخرى، هكذا إذًا، لمساعدة هؤلاء المساكين قام الخضر عليه السلام بخرق السفينة ليتجنبوا بطش الظالم، إذ حينها كانت المواجهة القرار الخطأ.

لو أن رجلًا يقود سيارته ومعه أسرته ثم قطع عليهم الطريق مجموعة من البلطجية يهددونه بالأذى إذا قاوم استحواذهم على السيارة، ثم قرر هذا الرجل المقاومة فداءًا لماله، وهو يعلم أن زوجته وابنته وابنه لا طاقة لهم بالمقاومة، ثم أخذ البلطجية السيارة عنوة بعد أن قتلوا أسرته المسكينة، كيف سينظر إليه أهله وأهل زوجته حينما يعلموا أنه قد فرط فيهم في مقابل الدفاع عن سيارة؟

هل سينكر أحد منهم عليه أنها ليست سيارته وحقه؟ هل سينفي أحد منهم أن هؤلاء كانوا بلطجية جائرين مفسدين في الأرض؟ هل يتعارض ذلك مع اتهامهم له بالحماقة حين يجعل حياة أسرته ثمنًا للسيارة التي لم يفلح مع ذلك كله أن يستردها؟

ثم ماذا لو برر لهم قائلًا: دعوني وشأني أنا رجل مظلوم، اذهبوا فأفلحوا في مطاردة البلطجية إن استطعتم. ماذا لو أجابوه: أنت مظلوم لكنك أحمق فاشل، تسببت في قتل ابنتنا من أجل سيارة لا تقارن قيمة ابنتنا بها. لن نتركك تتولى أمر أي أسرة بعد الآن فأنت لا تستحق أن تكون ولي أمر ولو نفسك؟

سيدي/تي القارئ/ة، هل ستكون تلك نظرتك لذلك الرجل إن كنت أخًا/أختًا لزوجته؟

أزيدك: هل كنت ستقول : أما عن البلطجية فقد جعلت الثأر مضاعفًا معهم بدلًا من جعل المواجهة تخص سيارة فقد تحولت إلى ثأر سيستلزم حربًا يُقتل فيها أخرين. لا نخشاهم، لكنك زدت الأمر فسادًا ثم تتدارى الآن في بيتك متعللًا بضعفك وقهرك وتطلب منا الثأر؟

أم أنه ليس من حق أهل زوجته لومه مطلقًا؟

فلنعد لقصة السفينة، ألا يعني ذلك أنك حين ترى الضعيف لا يقدر على المواجهة عليك بصرفه عنها؟ حتى لو بلغ بك ذلك إلى خرق سفينته ليتجنبه الخصم، وتفوت عليه فرصة تحطيمه؟

يلومنا الكثير حينما ننتقد أفعال الإخوان المسلمين، سابقًا ولاحقًا، بدعوى أنهم مظلومون الآن، والحقيقة أن هذه إحدى النتائج التي أرادها قياداتهم بكل أسف، أن يظلوا في قوقعة المظلومية ليتجنبوا حساب الأجيال، وللأسف فقد أدت اللعبة كثيرا من مرادها على البسطاء. الحقيقة أن ذلك أدعى أن نزد الانتقاد، ونسعى لفضح العقلية الفاسدة التي تقودهم، والأهداف الغير معلنة التي يغفل عنها كثير من تابعيهم، وسوء التوفيق الذي يغرق فيه مخلصيهم بالسكوت عن من يعرفونهم من الفسدة بين جلدتهم ودفهم للتراجع عن ذلك الوهم المدعو عودة الرئيس الأسبق محمد مرسي.

حينما نرى أن مواجهة الإخوان المسلمين للقوى العسكرية مواجهة غير متكافئة، وأن عواقبها لن تعود فقط بالأذى عليهم ولكن سيطال الجميع البطش والقمع، وحين نرى أن عودة مرسي المستحيلة أصبحت عائقًا حتى في فتح أي حوارٍ ما مع كل الأطراف، فدعوتنا لتركهم ذلك البند المستحيل الذي دمر كل أمل في وقف البطش والقهر والقتل والظلم والفساد، وساعد في تفشيه ليتمكن الفجرة من تصفية حتى حساباتهم الشخصية.

حين ندعوهم لوقف المقاومة الحمقاء العشوائية التي لا تخطيط فيها ولا ترتيب ولا تنسيق سوى خلق شكل من أشكال الفوضى نتيجة التمكن من القيادات التي اعتادوا أن يخططوا لهم، فإننا حينها لا نريد سوى خرق سفينة الشرعية التي يركبونها لنجنبهم ونجنب أنفسنا التعري من كل سلاح أمام وحش لا يتغذى إلا على مايطعمونه لهم من حماقات.

حين ندعوهم أو نهاجمهم للتراجع عن مطلب هو الأبعد عن الواقع والمنطق، بل المراد أيضًا من أغلب الشعب، بعودة الرئيس الأسبق محمد مرسي، فنحن حينها لا نريد إلا خرق سفينة عودته لننقذ راكبيها من أمواج مدمرة. حتى حين دعوناه هو سابقًا للتنحي لوقف الانقسام الشعبي كان ذلك لخرق سفينة حكمه عسى أن ننقذها من بطش الانقلابات أو بطش الانقلات الأمني. لكننا للأسف فشلنا في إقناعهم فوضعوا السفينة بعرضها في مواجهة الموجة العالية فدمرتها تدميرًا إن لم يكن بمقدورهم إيقافها، فكيف ظنوا بقدرتهم على مواجهتها؟

لا داعي لنبرة (أنتم تتكلمون عن المظلومين وتلومونهم، دعوهم لحالهم فقد دفعوا الثمن). هذه حجتهم ليستمروا في عنادهم ضاربين عرض الحائط في نذالة حقيرة بمستقبل الآلاف من المعتقلين الشباب والمسجونين بأحكام شاقة قاتلة لمستقبلهم وقاطعةً كل السبل لأمل الخروج منها طالما أن قياداتهم على نفس النهج المعاند. ولن يزل العدد في ازدياد شاملًا الجماعة أو أي معارضة يسهل (تلبيسها) تهمة الانتماء للجماعة كشماعة أذى يعلق عليها أي مزعج للفساد والبطش.

نحن في حاجة لخرق السفينة من الداخل. يجب أن يفعل ذلك أحد عقلاء الجماعة من ذوي الشأن والعقل. عليه أن يخرج لأبناء الجماعة بالحقيقة المرة ويعلنهم بها (يعلنهم لا يعلمهم، إذ إنهم يعلمونها بالأصل) أن التراجع هو قرار مرير صواب، لأيقاف نزيف الإخْوة، وجبر خاطر العائلات من أمهات وزوجات وبنات تيتمن وأباؤهم أحياء. يكفي من تيتمن قبلهن، لا يعقل أن تظن أن علاج الجرح هو أن تزيده اتساعًا. ثم خذ وقتك لجبر أسر شهدائك.

خرق سفينة الإخوان يقتضي فعليًا وقف النشاط السياسي والعودة إلى الأصل الذي اختاره مؤسسهم: الدعوة، ثم السعي لفك قيود وسلاسل المسجونين وبعث الأمن في صدور المعذبين – حتى في بيوتهم – من الخوف. يريد الشباب أن يخرجوا من المستنقعات والسجون، أن يشتموا رائحة الهواء النقي مرة أخرى، أن تقر أعينهم بأبنائهم وأحضانهم بأمهاتهم وزوجاتهم وآبائهم.أن يأمنوا على أنفسهم ومالهم وأهلهم حين يخرجون وأنهم لن يعودوا في أي لحظة للكهف البركاني مرة أخرى.

لا يعني ذلك أن مجرد تراجع الإخوان يثمر بالنتائج، إنه فقط وقف لاستعمال سلاح غير مُجْد. والبدء في شكل آخر ونهج آخر لسُبٌل التغيير ولو كان ذلك مصالحة أو تراجع وكر… وليس أدل على عقلانية ذلك من تركيا / أربكان.

بالنظر إلى الوجوه التي على الساحة اليوم، يكاد يكون الأمر مستحيلًا، فقد أنضب مكتب الإرشاد وجود ذلك الصنف الذي يبدي مصلحة البلاد على كل شيء، كما أنضب الأمن وجود البدائل الكفء بتسميم المعارضة وخلق هياكل لا تسمن ولا تغن من حاجة الناس إلى بديل للطاغوت.

لكن لعل يومًا لا نتوقعه يأت بجديد، ولعل رجل يصعد على الرؤوس قائلًا: أنا لها فيصيل مشكاة نمشي على نور عقله إلى طريق نعلم أنه ضيق كالخيط للخروج من كهف الظلمات الذي نحن فيه.

أعرفُ أن قبولك بوجود معارضيك له طعم السمّ في حلقك، وأن رؤيتهم شركاء في السلطة والقرار تُفسِد هناءة عيشك، وتجرح صورتك كحاكم مطلق. وأن القبول بالآخر بالمختلف يمسّ بتقديسك للصوت الواحد والزي الموحّد. وأعرف أنك تعتبر المعارض خائنًا، وجاسوسًا، وأنه لا يستحق إلّا القتل.

أعرف كل ذلك، وعلى رغم ذلك أنصحك ببعض السمّ كي لا تضطر إلى تجرُّعه كاملًا. كي لا تشربُه قاتلًا وتسقيه لبلادك. قطرة السمّ تعفيك من الكأس، وبعض الكأس يعفيك من الوليمة الأخيرة.

لا خروج من الدوّامات الدموية إلّا بتجرُّع بعض السمّ. ألم يكن أجدى لـ«الإخوان» في مصر تجرُّع وجود الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتمعُّن في ما حدث واستخلاص العبر، والانحناء للعاصفة ثم العودة إلى العمل السياسي دون ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة؟ أوليس الأفضل للنظام تجرُّع بعض السم والقيام بجهد أكبر لفرز الإرهابيين عن المعارضين؟ لم يفُت أوان تجرُّع بعض السم لمنع مصر من تجرُّعه كاملًا.

أصاب غسان شربل، وأخطأ الإخوان المسلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد