وفي ظهور السيد «منير» الأخير على قناة الجزيرة مباشر مصر، حاول أن يمسك جميع العصي من منتصفها، وأن يستفيد من تصريحاته غير المفيدة بل المزعجة السابقة، فجعل كاميرا الجزيرة تأتيه ولا يذهب إليها، ثم حاول التعبير عن مختلف التوجهات لدى القيادات المعدودة التي يمثلها، أو لدى بعض الذين يمثلهم من قليلي العدد كثيري التحكم في مقدرات الجماعة، فكان أن أعلنت كلماته الانسحاب، معلنة أنه والجماعة لا يريدون من أحد خارج مصر التدخل لحل المأساة.

إن الكلمات الماضية أول خيط الانسحاب عن الاستراتيجية التي كانت تضايق النظام بنسبة، ويراها السيد «منير» مفتاح التصالح التام معه، ثم أعلنها السيد «منير» كفلق الإصباح أخيرًا «نريد المصالحة مع النظام»، هكذا جلية واضحة، لكن نريد الإفراج عن المعتقلين أولًا، بما فيهم الدكتور «محمد مرسي»، ثم تخفيف قبضة النظام على جميع المناهضين له، إذ إن هناك فارقًا بين معارضة ومناهضة، ربما لم يخطر على بال السيد نائب المرشد حين حديثه!

وفي وسط هذه الكلمات، ومن باب الترضية، طالب السيد «منير» باستفتاء شعبي على «السيسي»، وأن يذهب الأخير إلى الدكتور «محمد مرسي» في محبسه معتذرًا؛ تكفيرًا عن ذنبه.

إن السيد «منير» لا يدرك حقيقة موقفه، إذ كانت الاستراتيجية السابقة لكبار القيادات الإخوانية تقول بأن العالم يحارب الإسلام، (العالم في صورة الانقلاب والإسلام في صورة إخوان مصر)، وذرًا للرماد في الأعين؛ قال نائب المرشد إن الإخوان لا يعبرون عن الإسلام ولا مصر، فلماذا شُحن الصف التابع للقيادات التاريخية بأن الإخوان أفضل ما في مصر، وهم يحاربون لأنها هجمة «صليبية» على الإسلام؟!

وإن نائب المرشد، المشكوك في حقيقة الانتخابات التي جاءت به في منصبه هذا، من بعد ومن قبل، لا يدرك أنه ليس في موقف إملاء الشروط، ولكن يكفيه أن يعلن الرغبة للتفاوض، ثم إن كانت الفرصة الحقيقية للتفاوض باقية يقبل النظام ما يريد قبوله.

وإن كان الاعتراف بالرغبة في التفاوض لتحقيق مصالحة، والنجاح في التفاوض للمصالحة تم من قبل، لولا الخشية على السيد «يوسف ندا» من نزول مصر، وكون الانقلاب طالب الإخوان بالتواصل مع السفير المصري في سويسرا، وهو ما رأته القيادات التاريخية إهانة، فإنه ليس من المضمون أن هذا السيناريو الذي رُفض من قبل، واقتنع الإخوان اليوم في صورة السيد «منير» بأن المرفوض في الأمس مقبول اليوم، هذا السيناريو نفسه الذي رفضه الإخوان سلفًا، وخدعوا الصف وقالوا لا نفاوض، ليس مضمونًا قبول الانقلابيين به اليوم!

كان من الأجدر منذ سنوات لا أشهر؛ إن لم يكن منذ البداية، أن يعترف السيد «منير» بخذلان العالم للإخوان إذن، وأنهم الأخيرين كانوا يعولون على ذلك الكثير، وأنهم بصدد التعامل مع الواقع بآلياته لتحقيق أفضل المتاح، بدلًا من تمسك قادة الإخوان المعدودين بأفكارهم دون مراعاة للواقع أو للخسائر الفادحة المحيطة بهم.

وحتى في الوقت الذي كانت الجماعة تفاوض للتصالح، في الوقت نفسه كانت تنفي عبر أكبر قياداتها أنها تفعل، وتبث في روع الصف أن من الواجب عليه الاستمرار في التحمل إلى ما شاء الله، ومن المعروف أن «خداع» الآخرين منهي عنه تمامًا في شرعنا الحنيف، وأن الإنسان، لا قيادات الإخوان، إن صار في مسار خاطئ فعليه الاعتذار وإقالة نفسه، والنصح لغيره بما يقيم أود الصف وينقذه من مصيره بالغ السوء، لا أن يداور السادة فيخدعوا الصف، ويرفضوا الحلول التفاوضية سرًّا إلى أن يفاجؤوا بأنهم أضاعوا جميع مقدراتهم، وحينها يخرجون إلى العلن معلنين ما كانوا يتخفون منه في أمس القريب!

وأكثر الأمور مرارة:

أن السيد «منير» يُطالب بالترضية (ذهاب السيسي إلى مرسي معتذرًا)، قبل تحسس إمكانية توفر الحل الذي أضاعه بنفسه من قبل.

يطالب بالاعتذار للدكتور «مرسي»، والأخير يعاني من ويلات صحية تكاد تودي بحياته، وتعاني أسرته من أوضاع قانونية بالغة الظلم «أقر وضع أسامة نجله والشيماء نجلته على قوائم داعمي الإرهاب الاثنين نهاية أبريل (نيسان) الماضي»، والأجدر إن كانت تلك القيادات المُصرة على الإمساك بمقود الجماعة، مع قلة عددها وعدم اتساع آفاق تفكيرها للأسف، كان الحل ألّا يبحثوا عن ترضية، بل عن حل لإخوانهم في السجون وعلى رأسهم الدكتور «مرسي»، حل مقبول مُعلن منذ البداية، فالحل المتأخر نوع من الظلم الشديد بالإضافة إلى ظلم الانقلاب.

ومن هنا جاءت كلمات المذيع المصري المحسوب على النظام المذكرة للدكتور «منير» بأسباب رفضه للمصالحة من قبل، والتي قال عليها الأخير (كلمات المذيع) أنها من باب المداورة، دون أن يعي أنها من باب المعايرة القاسية، فالنظام يريد القول للسيد نائب المرشد: «هذه كلماتك من قبل، فلماذا تماديت فيها طالما أنك تعرف أنك متراجع في المستقبل القريب عنها؟!»

ثم إن خداع الناس من التابعين للإخوان في مصر وإفهامهم أن هناك حلًّا مع النظام المصري غير التفاوض، وتسفيه آراء أمثالنا إن نادينا بحقن الدماء ومعرفة القدرات الحقيقية للصف، والتعامل الصريح الواضح بناء عليها، والحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من الجماعة (راجع كلمات السيد أمين عام الجماعة منذ أسابيع قليلة جدًّا أنه لا يمكنك أن تطالب الظالم بالاستمرار في ظلمه والمظلوم في التحمل).

ثم إن هذا الخداع المرتب المنظم أضاع دماء المئات في السجون وخارجها، وأودى بكوادر الجماعة البشرية إلا قليلًا، وهو على النقيض تمامًا من صحيح أدبيات الجماعة المفترضة بألا يكذب الرائد قومه!

بقي أن فرصة الجماعة في التفاوض كانت بالغة من قبل أضاعها عدد من القيادات بطريقة بالغة الغرابة، ولا أعتذر عن القول بأنها تشي باختراق على نحو عال للجماعة من جانب أعدائها أو كما تسميهم الجماعة.

إن جماعة الإخوان لا تترنح تحت ضربات الانقلاب وحده فحسب اليوم؛ بل تترنح ترنحًا لا يقل قوة تحت ضربات بالغة القوة توجهها قيادات، علم الله بحقيقتها ومدى إدراكها للواقع البالغ المرارة، فإن لم يتحرك الصف لكف يد هؤلاء تمامًا أو تقويمهم على أقل تقدير، فإن المستقبل القريب والبعيد للجماعة والأمة بالغ الضراوة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد