كان صاحب هذا القلم يعد لسلسلة مقالات بعنوان: (قبل الاستبدال)، حينما فاجأه قبيل منتصف ليل الأربعاء الماضي خبر أيقظ الأحزان كلها دفعة واحدة، ولم تكن قد نامت أو حتى غفت، وإنما كان صاحب الكلمات يتغافل ما أمكنه عنها.

صديقي حسن الشرقاوي، واحد من أنقى الذين عرفتُهم قلبًا، خبرتُه منذ سنوات بعيدة، بالتحديد عام 1993، يعمل في مركز إعلامي تابع للإخوان، عينه طوال الوقت في جهاز الحاسب الآلي، حتى أني إذا ما جئتُ مسلمًا كان لا يسحب بصره عن الجهاز، إلا حينما يستشعر مد يدي بالسلام أو قربها.

بعد 25 يناير (كانون الثاني)، ومحاولة الثورة التي كم نتمنى لها الاكتمال، عدتُ من غربة خمس سنوات وقلبي يرتجف خوف العودة، ولكني لم أكن أكتم المجموعة التي أحببتها من صميم القلب من شباب الإخوان مخاوفي، بل كنتُ أبادر بالنشر، خاصة خلال أحداث محمد محمود الأولى، لما استشعرتُ قرب اللهب، وأن القوى الثورية التي تؤكل يومها، ستترك الإخوان يُؤكلون غدًا ما صمت الآخرون رسميًا عما يحدث لهم، وبعد ترشح الإخوان لرئاسة الجمهورية رأيتُ الأمر فاق التخيل، وخرج عن حدود مجلس الشعب كما كان يُسمى آنذاك إلى ما هو أخطر وأبعد، ولا يُرجى معه إلا سن المجلس العسكري للسكاكين.

ورغم قاسي الرأي وحرصي على نشره لم أكن أستطيع مخالفة خطوات الأصدقاء من أطهار وأبرار شباب الجماعة في الحي الذي كنتُ أقيم فيه، وفي ميدان التحرير عندما كنا نذهب بحس جمعي لدعم الرئيس محمد مرسي آنذاك ليعزل النائب العام، أو يعجل بالخطوات الثورية، أو حتى قبل الإعلان عن نتيجة الانتخابات.. كنتُ أحدث الأصدقاء بمخاوفي، وكان الشرقاوي ينظر إليّ من خلف نظارته الرقيقة العدسات ويبتسم في رفق ويقول لي:

(هي موتة واحدة في النهاية.. دعنا نحاول ونجرب خلفهم.. وفي النهاية سيلحقنا الأجل.. فلنحاول أن نعيش أعزاء).

واضطررتُ للسفر والمغيب عن رفقة الشرقاوي، وإن شئنا الدقة، فإن العقد انتثرت بالفعل حباته، فمنا مَنْ بادر بالاغتراب إلى قطر، ومنا مَنْ تأخر ليلحق بطائرات تركيا، ومنا مَنْ ذهب إلى السودان، وقبل ذلك كان الصديق يُيسر لكل مضار العلاج – ما أمكنه – في مستشفى اضطر للعمل فيها.

حكى لي مَنْ حكى أن الشرقاوي فرّ من مظاهرة لما طوقها الأمن في شارع جانبي، واضطر لصعود سلم في بيت لا يعرفه ثم قال:

أبلغوا فلانًا أن الأجل الذي حدثتُه عنه يقترب!

ووُضعَ اسم الصديق في قوائم المطلوبين، بل تم ترقب عودته إلى بيته، وكان غير مقر إقامته، ولكنه اشتاق لأهله في يوم ما، فبات في بيته، وكان أن اقتاده الأمن إلى قسم الشرطة، ومن هناك تم الكشف على اسمه؛ ليكتشف وجود حكم بسجنه ثلاث سنوات قضاها صديقي خلف القضبان سابقًا إلى الله محتسبًا.

وبعد خروجه آثر أن يترك المحافظة كلها إلى الضبعة، وهناك لقي الله الأربعاء الماضي عبر تصادم بسيارته مع أخرى، لقي خالقه غريبًا مهاجرًا إليه.

إنني لا أبكي حسن الشرقاوي، ومن قبله عبد الرحمن نجل صديق آخر.. وعبده، كما كان يحلو له أن ينادونه، ذا الـ17 عامًا فحسب، وكان مطاردًا هو الآخر.. اضطروه إلى مغادرة بيته إلى طريق سريع ليسقط من فوق دراجة نارية.. وبعد ساعات يبتسم وتسيل دمعتان من عينيه ويلقى الله تعالى.

إنني لا أبكي حبيبي الاثنين الشرقاوي وعبد الرحمن، وعهدي بالأخير كما رأيتُه آخر مرة طفلًا صغيرًا، وهما غيض من فيض من شهداء رابعة ومختلف ميادين مصر، والشباب الطاهر الذي كان الأجل المحتوم موافيه على كل حال.. ولكن القادة أبوا عليهم أن يمروا في الدنيا بأكبر قدر ممكن من الأمان والسلام!

إنما أبكي بوضوح قيادات للإخوان مد الله في عمرها، ونجاها ونعمها وأهلها فصاروا في الخارج، بالإضافة إلى أنه تعالى عمرهم في العمر.. فتجاوز أصغرهم الـ65 عامًا، وصاروا وهم يعدون على أصابع اليدين، والفاعلون فيهم من ذوي القرار يعدون على أصابع اليد الواحدة؛ وهم مستترون خلف غير الفعالين، وهم بقسميهم يقبعون على هامات ورؤس البلاد والعباد بقرارتهم العاطفية الانفعالية ببقاء الوضع كما هو عليه، واستمرار العداوة مع الدولة ومن قبل مع الشعب.. وإن حدثتهم قالوا لك: إننا مظلمون.

لم يبق منهم ولا لهم إلا خطاب المظلومية.. به يتحدثون ويقتاتون ويتنقلون بين عواصم الدول تاركين المعتقلين في كرب وهم، والغرباء ضائعون في المدن إلا مَنْ رحم ربي، فإذا كان النظام لا يعي خطورة ما يقدم عليه..  فإن النائم في رفقة اليقظ، وإن المجنون في معية العاقل.

وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخطئًا – حاشا لله – لما أمر بتوقيع صلح الحديبية وكان مع مشركين، لا مسلمين، وهل كان رضاه عن سيدنا خالد بن الوليد حينما أبقى على الجيش المسلم في مؤتة رضا إلا عما يرضي الله!

فلماذا يُزايد هؤلاء ويحبسون العقل.. ولا يشعرون بمشاعر الملايين من المضارين؟

ولماذا لا يستشعرون عظيم تقصيرهم وخذلانهم الأمة ببقاء الأمور في مصر لما يقارب الخمس سنوات كما هي إن لم تكن تنقص فلا تزيد؟

وحتى متى يبقى هؤلاء؟ تسببوا في المأساة وأبوا ورفضوا إلا الاستمرار في أماكنهم دون مساءلة أو حساب، وأحدهم يعترف بدولة إسرائيل ويقول إن الجماعة إصلاحية لا تخيف الأنظمة، والثاني يقول أجرينا مراجعات ومحاسبات، لكن أدبيات الجماعة تمنع نشرها، ولا ندري أين كانت الأدبيات حينما حاقت المصائب بمئات الآلاف من الإخوان؟ أم أن الأدبيات خاصة بقادة التنظيم لا يعرفها غيرهم، والمصريون مجرد وسائل للحفاظ عليهم؟

إنني لا أبكي عبد الرحمن ولا حسن الشرقاوي، إنما أبكي قادة مزعومين للإخوان مرفهين في إسطنبول ولندن مع أبنائهم، ويحبسون أية بادرة لحل الموقف؛ بحجج واهية وأفكار لا تقنع صبيًا.

وللحديث بقية.. ما دام في العمر بقية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد