على الرغم من وجهاته ونبل أصله إلا أنه كان يقدم على فعل عجيب غير عابئ بمن حوله، إن لسانه يفيض بذاءة بلا حدود، سباب وفحش في القول عند أي خلاف مهما كان تافهًا، بالإضافة لمشكلات أخرى تتعلق بقدرته على الاسترسال في الحديث وغمز واضطراب في حركات اليدين، وبعد أن أعيتهم الحيل استعانوا بطبيب نفسي حاذق من باب الأخذ بالأسباب ليس أكثر لعله يهدئ من روعه قليلًا، ولكن الطبيب فاجأهم بأن أخاهم الأصغر مصاب بمتلازمة «توريت»، على التساؤل الأوجه، فاستطرد موضحًا: «توريت هو اسم الطبيب النفسي الفرنسي الذي اكتشف تلك المتلازمة المرضية عام 1873م، حيث ينطلق اللسان بفيض من البذاءة والألفاظ النابية ويكون ذلك مصحوبًا بعدوانية واضطراب في حركات العين والوجه واليدين».

كانت تلك أول مرة يدرك المجتمع العلمي أن المرض قد يكون سببًا في فحش القول وبذاءة اللسان، تذكرت تلك المتلازمة المرضية وأنا أتأمل كيف تحول الإخوان من «نحمل الخير لمصر» إلى «نشتم ونسب كل من في مصر»، الأمر من المفارقات المبكيات، كيف يتحول فصيل يرفع شعار «الإسلام هو الحل» ويتخذ من القول اللين والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة سبيلًا كيف يتحول ذلك الفصيل إلى بحر جار لا ينقطع من الفحش واللعن والسباب والطعن في الأعراض عند ظهور بادرة خلاف في الرأي السياسي، لكن هل ذلك الأمر في الإخوان مجرد حالات فردية ينبغي غض الطرف عنها أم أنه ظاهرة وسلوك جماعي يستحق الدراسة؟

فى عام 2014 رشح المشير عيد الفتاح السيسي نفسه لانتخابات الرئاسة، ذلك الرجل الذي قال عنه الإخوان «وزير دفاع بنكهة الثورة» و«رجل من ذهب»، وكنوع من المعارضة أطلق الإخوان هاشتاجًا على تويتر بعنوان «انتخبوا…»، شارك الإخوان بشدة في ترويج الهاشتاج حتى احتل المرتبة الأولى عالميًا، وعلى الرغم من فحش الكلمة إلا أن شباب الإخوان بدؤوا يجرونها على ألسنتهم بل وأمام أطفالهم حتى صدمت ببعض الأطفال المفترض أنهم في كنف أسرة ملتزمة دينيًا، صدمت بهم يتداولون الكلمة فيما بينهم مقتدين بآبائهم، وللأسف نحن هنا لا نتكلم عن حالات فردية، نحن نتكلم عن ظاهرة ساهم فيها الغالبية العظمى من الإخوان وتفاخروا بها وصدروها إلى أطفالهم، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل امتد للطعن في كل من يعارضهم، وليتهم اكتفوا بتلك التهم المعلبة الجاهزة من قبيل «خائن، عميل، جاهل…» وإنما تجاوزوا ذلك بكثير.

وبنظرة واحدة للتعليقات على أي مقال أو مقطع فيديو ينتقد الإخوان ولو بشكل موضوعي محض تصطدم بكم البذاءة والسباب الذي يجبرك على أن تتساءل متعجبًا: ماذا لو لم يكن الإخوان يدعون نصرة الشريعة والتمسك بأخلاق الإسلام؟ الأمر يحتاج إلى وقفة، فمن غير المعقول أن يصاب غالبية الإخوان بمتلازمة «توريت» بين ليلة وضحاها، لابد أن للأمر أسبابًا ودوافع أخرى، وببعض البحث في أقوال العلماء تجد أن الفحش والبذاءة في القول عند الإخوان ما هي إلا إنعكاس طبيعي لأمرين لا ثالث لهما:

1- سوء التربية في المحاضن والأسر الإخوانية

على الرغم من أن الإخوان كحركة إصلاحية نشأت على مبدأ إصلاح الدنيا بالدين إلا أنها كانت تحمل بذور فسادها منذ نشأتها ومع مرور السنوات بدأت تلك البذور تنضج لتكون نبتة زجت بهم في سجون عبد الناصر، ثم مرت السنوات وتكررت الأحداث ولكن النبتة أصبحت شجرة وارفة الظلال متجذرة الأصول فزجت بهم من جديد في سجون النظام الحالي، وبالتأمل في طريقة وأسلوب التربية الإخواني تجد انحرافًا دائمًا ومتسارعًا عن خط العناية بالشرع وآدابه وميلًا ولهاثًا نحو خط السياسة غير الشرعية بكل قذارتها وأضغانها، ومع الوقت ابتعد الإخوان تمامًا عن كونهم حركة إصلاحية تعتمد على الإسلام بمفهومه الشامل كطريق للإصلاح واتخذوا من السياسة غير المنضبطة بأي ضوابط شرعية منهجًا وطريقًا لا يحيدون عنه.

وفور وقوع أول أزمة كبيرة، تخلى الإخوان عن الشعارات وحل محلها ما تربوا عليه، فقطعًا لن تفلح الشعارات أمام ممارسات ضربت بجذورها في أعماق في النفوس عبر السنين، ولعل من أبرز تلك الشعارات التي روج لها الإخوان شعار «الله غايتنا»، ألم تعلموا أن غايتكم يكره الفاحش البذيء كما قال عنه رسوله صلى الله عليه وسلم «إن الله ليبغض الفاحش البذيء» وكما قال عنه ابن عمر رضي الله عنه «إن أبغض الناس إلى الله كل طعان لعان» فعن أي غاية تتحدثون؟ ألم يأمر غايتكم أن نجادل أهل الكتاب «الكفار» بالتي هي أحسن فما بالك بالمسلمين مهما كانت درجة الخلاف معهم؟

ثم يرفعون حناجرهم بالشعار الثاني «القرآن دستورنا»، ذلك القرآن الذي يحكي عن أوامر الله لموسى وهارون بالتزام «القول اللين» أثناء مخاطبتهم لمن قال «أنا ربكم الأعلى» لا من انتزع منهم كرسيًا زائلًا وملكًا زائفًا، ذلك القرآن الذي يصف عباد الرحمن بأنهم إذا مروا على الجاهلين قالوا «سلامًا»، يا أخي الإخواني افترض أن كل من ينتقدك جاهل وأنت العالم فعامله بخلق القرآن ولا تقل له إلا «سلامًا».

ودائمًا ما يردف الإخوان شعار «القرآن دستورنا» بشعار «الرسول قدوتنا»، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم «وإن أبغضكم إلي، وأبعدكم مني في الآخرة أسوؤكم أخلاقًا»، ألم يقل «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وأي مكارم أخلاق في الطعن في الأعراض وجريان السباب على الألسن كجريان اللعاب؟ّ! ألم يقل ذلك الرسول «ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا باللَّعَّانِ. ولا بالفاحشِ ولا بالبذيء»، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الجَنَّةِ، وَالبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ، وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ» فهل ما يلازم ألسنتكم من فحش ينتمي إلى فسطاط الحياء أم إلى فسطاط البذاءة؟

أرجوكم حولوا الشعارات الجوفاء إلى واقع عملي ومرتكزات تربوية، ألم تصدروا أنفسكم لشباب الإسلاميين المتحمس على أنكم رعاة الشريعة ومقتفو أثر السلف الصالح، أين فعل السلف الصالح مما تقولون؟ ألم يقل الإمام الغزالي – رحمه الله -: «الأخلاق السيئة هي السموم القاتلة، والمهلكات الدامغة، والمخازي الفاضحة، والرذائل الواضحة، والخبائث المبعدة عن جوار رب العالمين، المنخرطة بصاحبها في سلك الشياطين، وهي الأبواب المفتوحة إلى نار الله تعالى الموقدة التي تطلع على الأفئدة»، ألم يقل المناوي رحمه الله: «والوقاحة مذمومة بكل لسان، وهي انسلاخ من الإنسانية»، أنتم أيها الإخوان تعذبون أنفسكم كما قال الحسن «من ساء خلقه عذب نفسه»، ارجعوا إلى رشدكم وأفيقوا من غيبوبتكم يرحمكم الله.

2- ضحالة الفكر وسوء الرأي وانعدام الحجة والافتقار للشجاعة اللازمة للاعتراف بذلك

اختار الإخوان اختيارات صدامية وأردفوها بحزمة قرارات كارثية ورفضوا النصح وسفهوا الآراء، فلما سقطوا أصيبوا بصدمة نفسية عميقة، ولسال حالهم يقول بجلاء «كيف نسقط ونحن أصحاب الثمانين عامًا من الممارسة السياسية بينما حزب النور حديث النشأة أدرك ووعى ما عجزنا عنه، لا لن نستسلم ونقر بضحالة فكرنا وسوء قراراتنا، سنكمل الطريق إلى النهاية مهما كان الثمن، ولإكمال الطريق لابد من إسقاط من أصاب حين أخطأنا، من سمع حين صممنا، من رأى حين عمينا، بالأمس كان المجتمع الداخلي والعالمي ينعتونهم بالسلفيين المتشددين المتعصبين الصداميين، ويصفوننا بالإخوان المتسامحين السياسيين، الآن انقلب الأمر، لا لن نسمح بهذا سنسقطهم كما سقطنا، صحيح أننا فقدنا السلطة ولكن ما زال لدينا إعلام متمرس قادر على قلب الحقائق ونشر الكذب وتشويه الخصوم، وإن لم يكن حزب النور من الخصوم إذًا فمن هم الخصوم؟

المعادلة واضحة «إما أن تكون معنا أو علينا» لا مجال هنا للناصح الأمين، إذا أصبحت معنا نغدق عليك من كل شيء ونثني على صمودك الثوري وإخلاصك ودفاعك عن الشريعة، أو تكون علينا وحينها فلا تلومن إلا نفسك»، للأسف تمادى قادة الإخوان في ارتكاب الأخطاء واحدًا تلو الآخر ودخلوا في صدام عنيف مع الدولة، وبينما فر أغلب القادة إلى تركيا وقطر، أخذ شباب الإخوان خاصة وشباب الإسلاميين عامة يدفعون الثمن الباهظ ويتجرعون الألم حتى الثمالة، تنكيلًا وتعذيبًا وزجًا في غياهب السجون وتشريدًا للأسر وقطعًا للأرزاق، وهنا برزت البذاءة والفحش في القول كأحد طرق تنفيس كل ذلك الضيم.

ويرى كثير من علماء النفس ومنهم العالم الأمريكي المرموق Timothy Jay صاحب كتاب «Cursing in America» أن السب والشتم له دور كبير في تخفيف الضغوط النفسية وأنه كلما زادت حدة الاضطراب النفسي الناشئ عن المعاناة ازداد لجوء الشخص للفحش في القول، فما يجري على الألسن من كلمات ما هي إلا انعكاس للمشاعر الداخلية، ومن الجدير بالذكر أن ردود الأفعال تتباين من شخص لآخر فوفقًا للأبحاث المختصة بسمات الشخصية فإن الذين لا يلجؤون إلى السب والفحش في القول غالبًا ما يتمتعون بتقدير الذات وثقة في النفس ولديهم ثبات انفعالي وقدرة على السيطرة على مشاعرهم وطريقة التعبير عنها. لذا فنجد مثلًا المدمنين يفقدون القدرة على التعبيير عن مشاعرهم بشكل منضبط فيلجؤون لاستخدام الألفاظ النابية بكثرة.

وحسب نظرية التحليل النفسي فإن السب واستخدام الألفاظ النابية يعبران عن الرغبات اللاشعورية في العدوان حيث يستخدم الشتم (الإيذاء المعنوي) عوضًا عن السلاح (الإيذاء الجسدي)، ويوضح علماء النفس أن كثيرًا ما يكون الإيذاء المعنوي مرحلة وسيطة تفضي إلى الإيذاء الجسدي إذا توفرت الظروف لذلك، وهنا لابد أن نحذر من ازدياد وتيرة تبني العنف لدى شباب الإخوان وتحوله تدريجيًا من العنف اللفظي إلى العنف المسلح والذي بدأت بوادره تلوح في الأفق للأسف الشديد.

إذًا فما الحل؟

كيف يمكن للإخوان أن ينهضوا من تلك الكبوة الأخلاقية؟

للحل طرفان متكاملان:

الأول متعلق بالإخوان أنفسهم

عليهم مراجعة قراراتهم وثوابتهم الأخلاقية من جديد، والاعتراف بالخطأ خير من التمادي فيه، احتقار المخالفين ورفض الحق من الكبر الذي يودي بصاحبه للمهالك «الكبر بطر الحق، وغمط الناس»، لابد من إجراء مراجعات صادقة واتخاذ قرارات مؤلمة لإيقاف النزيف قبل أن تنضب الدماء من الجسد المسجى على الأرض المستعرة وينقطع عنه النبض وتفارقه الحياة بغير رجعة.

الثاني متعلق بالمجتمع المحيط

على الدولة أن تتحلى بالعدل وألا تلجأ إلى توسيع قاعدة الاشتباه مهما كان الأمر، حتى من ارتكب جرائم من الإخوان فما زال لديه حقوق لعل أبرزها المعاملة الحسنة وعدم التعرض للتعذيب وحق التقاضي والتحاكم بالقانون وبلا أي تجاوزات، وعلى المجتمع بشتى طبقاته وميوله أن يحاول احتواء الإخوان والترحيب بهم – خاصة الشباب منهم – ما أظهروا النية في إجراء المراجعات المطلوبة ونبذ العنف بشتى صوره، فالإخوان وإن بغوا علينا كمجتمع ما زالوا إخواننا وما زال الوطن يحتاجهم كما يحتاج لشتى أبنائه على اختلاف اتجاهاتهم وأفكارهم، وعلى الإسلاميين لا سيما شباب حزب النور أن يستمروا على ما هم عليه من النصح بإخلاص والصبر على أذى الإخوان وحلفائهم لعل الله يحدث لمصرنا الحبيبة أمر رشد يعصم به الدماء ويحفظ الأنفس والأعراض.

ولا يسعنا في الختام إلا أن ندعو الله كما دعاه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم قائلًا «اللهم اهدني لأحسن الأعمال وأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق لا يقي سيئها إلا أنت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإخوان, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد