كانت جماعة الإخوان المسلمين ملكا خاصا لأعضائها إلى أن قامت ثورة يناير 2011 وأصبح لها مؤيدون من خارجها، لا ينتمون لها لا فكرا ولا تنظيما، لأنهم كانوا يرون أنها يمكن أن تكون طريقا يوصلهم إلى بعض آمالهم وطموحاتهم؛ ثم جاء الانقلاب فوضعوها كرأس حربة يواجهون به من سرق تطلعاتهم لغد أفضل، وعليه فقد نسوا أنهم ليسوا أعضاء فيها، وربما منهم حتى من لا يعلم كثيرا عن تاريخها سوى القشور، ومن ثم بدأوا ينتقدونها برأفة أحيانا ويمزقونها أحايين. قد يكون لديهم بعض الحق من حيث أنها جماعة ذات ثقل وتاريخ وأنها أكبر الفصائل المكونة للثورة، ففي نظرهم دعمهم لها يوجب عليهم النصح ويوجب عليها الاستجابة، لكنهم لم ينتبهوا إلى أنهم قد يتسببون في هدمها إذا ما أغفلوا تاريخها وتكوينها، وإن لم ينتق من أساليب الحوار ما يناسبها، وإن لم يدركوا أن أعضاء الجماعة أدرى بشعابها.

فلنحاول معا أن نتفهم قدر المستطاع، ماذا يحدث داخل الجماعة، وكيف انضمت لثورة يناير، وهل حقا ركبت الثورة كما يقال؟

بداية فإن جميع الحركات السياسية والأحزاب وأنظمة الحكم تحوي تيارين رئيسيين: هما تيارا الصقور والحمائم. في جماعة الإخوان، مَثَّل الحمائم: (البنائين) نسبة إلى مؤسس الجماعة حسن البنا، وهو تيار يميل لاتباع الخطاب الإعلامي الهادئ للوصول إلى تحقيق الأهداف.

ومَثَّل الصقور: (القطبيين) نسبة إلى سيد قطب الذي كان يرى حتمية تربية الشعب لإقامة دولة إسلامية، وبالرغم من أن أفكاره كان لها وجاهتها بالنسبة لكثير من الإسلاميين، إلا أنه لم يضع لها أساليب واضحة لتحقيقها، مما جعلها تبدو كنوع من الترف الفكري.

الخلاف بين التيارين قديم، يظهر مع كل حدث جلل بالبلاد. طفا الخلاف هذه المرة مع ظهور الدعوات لثورة 25 يناير، طالب التيار القطبي بالاستجابة لهذه الدعوات، لكن طلبه قوبل بالتريث من قبل التيار البنائي الممسك بزمام الجماعة، والذي كان يراقب مجريات الأحداث بحذر شديد، فهو لم ينس ما عانته الجماعة إبان مشاركتها في ثورة 23 يوليو، كما أن حجم الجماعة كان يحتم عليه التحرك بخطًى ثقيلة في هذا الاتجاه، وخاصة لما خبرته من صدامات دامية مع الجيش، وهى تعلم حق العلم مدى تغلغله في مفاصل الدولة المصرية، كما تعلم أن للجيش في قلب الشعب مكانة راسخة، لذا فهو لن يتصادم معه أبدا، وبالتالي لن يحدث التغيير الثوري المرجو؛ كانوا يؤمنون بأنها (انتفاضة) فالثورة حتى تكتمل لا بد وأن تزيل النظام بأكمله وهذا ما لم يحدث، لذا فلم يكن هناك مفر من سلوكهم الاتجاه الإصلاحي الذي هوجمت الجماعة لانتهاجه.

سمحت قيادات الجماعة بنزول شبابها بشكل فردي منذ اليوم الأول وصاحبهم الدكتور محمد البلتاجي، ثم أخبرت القيادات الشباب أنه سيتم التنسيق لنزول الكبار مع الجمعية الوطنية للتغيير في يوم 28 يناير. كان الإخوان قد أصدروا بيانا في 19 يناير حول ثورة تونس يحمل تحذيرا للنظام من تكرار الأمر في مصر إن لم يستجب لنداءات الإصلاح ؛ثم بيانا في يوم 23 يناير بشأن الاحتقان الشعبي في مصر والاستبداد الأمني، ثم بيانا في يوم 26 يناير حول أحداث الثورة، ثم بيانا في يوم في 29 يناير يطالبون فيه بمطالب ثورية لم يذكر فيها الإطاحة برأس النظام نفسه؛ وبالرغم من لهجة التحذير التي انتهى بها البيان إلا أن شبابهم قبل شباب الحركات الأخرى اعتبروا القيادات متهاونين وليسوا على مستوى الحدث.

اشترك شبابهم المتحمس في ائتلاف شباب الثورة وظلوا يلحون على قيادات الجماعة ليحصلوا منهم على موافقات على التحركات التي يتفق عليها الائتلاف، فإن وافقت القيادات رضوا وإن لم تقبل اتهموها بالجبن والتحجر والجمود، ومما لا شك فيه أن اتهامات كتلك وسط هذا الجو الحماسي ستثير البلبلة وسط صفوف الجماعة، وهكذا كانت توافقهم الجماعة أحيانا وتماطلهم أحيانا أخرى، لما لهم من تأثير على الشباب، كانت تقبل أو ترفض وفقا لمجريات الأمورعلى الأرض ووفق مخاوف من انزلاق أريد لها، فقد كانت توضع دائما أمام خيارين كلاهما مر، فإن قبلت اتهمت من باقي فصائل الثورة بسرقتها، وإن رفضت اتهمت بخيانتها، وهكذا إلى أن وصلوا إلى المرحلة التي تبرأت فيها الجماعة من عدد من هؤلاء الشباب، فقد اعتادت الجماعة على العمل بشكل مؤسسي يعتمد على الشورى، ثم اتخاذ قرارات ينفذها الجميع.

لم تطلق الجماعة لفظة (ثورة) على أحداث يناير إلا بعد تنحي مبارك عن الحكم، فقد كانت تطلق عليها (الانتفاضة المباركة) في بياناتها التي سبقت تسليم الحكم للمجلس العسكري. وافقت الجماعة على لفظة ( ثورة) تماشيا مع الجو الثوري العام لشبابها ورغبة الشعب التي بدت عارمة في ذلك الوقت، لكن في ظني هي كانت تعلم أنها ليست ثورة حقيقية كاملة. كان ذلك هو أحد الأسباب التي لأجلها اتهمت الجماعة بأن نهجها ليس ثوريا وطولبت بالعودة إلى الدعوة وترك العمل السياسي الذي فشلت فيه، والذي – بحسب الاتهامات – تسبب في فشل الثورة كلها!

وأرى في هذه الاتهامات نوعا من التنصل من المسئولية من قبل خصوم الجماعة من الثوار، فتسليط الضوء على عيوب الآخر- إن صحت – لن يمحو تاريخ أخطائهم التي قد تصل إلى حد الخطايا. أما عن عودة الجماعة للعمل الدعوي فإنه يوجب كذلك على جميع المطالبين، الرجوع لمقاعدهم، فهذه الثورة كانت عملًا جماعيًّا وعليه أن يظل كذلك.

استخدمت الجماعة ما أتيح لها من فرص منذ بداية الثورة بحرفية شديدة اعتبرها خصومها ركوبا للثورة، في النهاية كان لا بد لأحد ما أن يركبها! لم يرد الخصوم من الثوار أن يركبها الإخوان، ولم يستطيعوا هم فعل ذلك، فركبها النظام القديم!

ختاما، إنّ ما يحدث الآن داخل الجماعة ما هو إلا صراع تقليدي بين حمائمها وصقورها، وما يحدث من نزع لصفة الثورية عن فصيل شارك في الثورة بشكل فردي أو جماعي ووصمه بالسرقة، ما هو إلا انتزاع فردي غير شرعي لصك ملكية أرض ورثها كل أبناء هذا الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد