ضُجّت وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة بقانون «القومية اليهودية» الذي شرّعه كنيست الاحتلال الأسبوع الماضي، ولم تتوقف أقلام الصحفيين وحناجر المحللين السياسيين عن الحديث عن خطورة هذا القانون الذي حوّل التمييز العنصري الإسرائيلي ضدّ غير اليهود من عُرفٍ سائدٍ إلى قانونٍ متأصّلٍ في البنية التشريعية الإسرائيلية، والذي رأى النور بفضل اليمين الإسرائيلي المتطرّف المهيمن على الساحة السياسية في دولة الاحتلال.

وعلى الرغم من أن صدور القانون في مثل هذه الأجواء اليمينية يعتبر أمرًا طبيعيًا، خصوصًا وأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يبذل قصارى جهده في الحفاظ على شعبيته ضمن الفئات المتدينة من منتخبيه وإشباع إلحاحاتهم ضدّ الوجود الفلسطيني وتهويد ما تبقى من فلسطين، إلا أن الأمر قد يكون مجرّد بدايةٍ لما هو أكثر خطورةً وعمقًا من قوننة الأبارتهايد.

فرئيس الوزراء الاسرائيلي السابق إيهود باراك حذّر من سياسات نتنياهو الرامية إلى تجاهل حلّ الدولتين، والسعيّ لدولةٍ واحدة من النهر إلى البحر، بدلًا من الانفصال عن الفلسطينيين؛ مما سيؤدي -على حدّ تعبيره- إلى دولةٍ ذات أغلبيةٍ مسلمة تهدّد مشروع الدولة الصيهونية والوجود اليهودي. [1]

حيث إن سياسات الاحتلال الاستيطانية التي تغيّرت في السنوات الأخيرة من السعيّ لكسب أكبر قدرٍ ممكنٍ من الضفة الغربية إلى الاستيلاء على كلّ شيء، دقّت المسامير الأخيرة في نعش مشروع الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 والتي أصبح من الجائز «قراءة الفاتحة» عليها الآن، وبات إعلان نهايتها مسألة وقتٍ مع الإجراءات الإسرائيلية أحادية الجانب، ومع الامتيازات التي يحاول أعوان الاحتلال إغراء قطاع غزة المعزول بها بعد إذاقة ساكنيه الحرمان والقهر والدمار والنار، فإن أراضي الضفة الغربية أصبحت كالكعكة التي ليس على المستوطنين إلا أن يقرروا من أين ستُقطع.

ومع هذه المتغيرات الجديدة عَلت بعض الأصوات الإسرائيلية المنادية بدولةٍ واحدةٍ برؤى مختلفة واتجاهاتٍ متنوعة، بدءًا بمقترح دولةٍ فيدراليةٍ متعددة القوميات تبعًا للأغلبية السكانية في كلّ إقليم، وانتهاءً بمقترح دولةٍ يهوديةٍ نقيّةٍ لليهود فقط، وفي جميع الاحتمالات فإن ضمّ أراضٍ جديدةٍ من الضفة الغربية أو ضمها بشكلٍ كاملٍ يُجبر حكومة الاحتلال على قبول ما يقارب ثلاثة ملايين فلسطينيّ ضمن مواطنيها، ليضافوا إلى 1.3 مليونٍ آخرين من الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية؛ مما يشكل فرقًا ديموغرافيًا فعالًا ضدّ اليهود في فلسطين التاريخية.

وبالتالي فإن قانون القومية الذي يعطي حقوقًا متميّزةً حصريةً لليهود كتقرير مصير الدولة، ويصنّف العرب باعتبارهم أقليةٍ غير أصيلة، ويشجّع على الاستيطان في أراضي فلسطين [2]، ليس إلا بداية لتأسيس أرضيةٍ قانونيةٍ منيعةٍ ضدّ أيّ زيادةٍ ديموغرافيةٍ عربية، وبلورةً لنظام تطهيرٍ عرقيٍ أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

ورغم تناغم وقع أقدام المستوطنين المقتحمين للمسجد الأقصى  غير آبهين، مع هرولات المطبّعين أصحاب التأثير والسياسيين من العرب والمسلمين، وصرير جنازير الجرافات التي تهدم بيوت القدس وزيتونها، وفرقعة القذائف التي تحرق غزة وأطفالها، فإن صفير البلبل على غصن التين في جبال نابلس، ونداء بائعة النعنع البلديّ في شوارع القدس، وهدير الأمواج على جدران عكّا، وطنين النحلة بين زهر حمضيات خان يونس، ودعوات المصلين يوم الجمعة في المسجد الإبراهيمي في الخليل، وزغاريد النسوة في ليالي أعراس الجليل، أشدّ وقعًا وحزمًا من كلّ الصفقات والسمسرات والمؤامرات، وإن اعتقدوا أن قوانينهم ستقتلع الجذور، فإن جذورنا كجذور التوت كلما مرّ عليها الزمان أصبحت أكثر عمقًا وصلابةً وتعقيدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد