مات الطفل السوري إيلان غرقا في مياه المتوسط ودفن في مدينة عين العرب وسط اهتمام اعلامي وردود فعل دولية نادرا ما تحظى بها قصة معينة من بين آلاف  قصص اللجوء والهجرة من ذوات النهايات المأساوية .

 

 

ومع موت الطفل ودفنه بقيت صورته لحظة العثور عليه جثة هامدة على شاطئ البحر والتي انتشرت عبر العالم ، بقيت لتخلد وتعرض كرمز لأشياء كثيرة ومريرة في هذه الحياة يمكن الاستدلال على مرارتها ، بعبارة أطلقها ناشط سوري وفيها إهانة بالغة وغير مآلوفة للذات عندما كتب : ” تفو علينا … ما أحقرنا جميعا “.

 

 

مع انتشار قصة وصورة الطفل ايلان بدا العالم ، العالم كله كمن استفاق من سبات عميق ليكتشف هول وفظاعة المآساة والمعاناة الانسانية الرهيبة التي يعيشها السوريون كبارا وصغارا منذ ما يزيد عن الأربعة أعوام ، أربعة أعوام  لم يتوقف فيها أحد إما عن قتلهم أو خذلانهم .

 

 

حتى الأنكليز الذين يمتازون بجديتهم وبعدهم عن العاطفة والتآني والصبر قبل اتخاذ المواقف في انعكاس لروح وعقلية أجدادهم صيادي السمك في بحر الشمال ،

انبرى رئيس وزرائهم ديفيد كامرون ليعبر عن صدمته ومشاعر الأسى التي عاشها وأحس بها كأب لدى رؤية صورة الطفل ايلان .

 

 

لكن وللمفارقة  فإن رئيس الوزراء البريطاني نفسه خرج قبل عامين من الآن وبعد أيام مشحونة بالتوتر والترقب من مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية ليصرح بأن بلاده ليست في وارد المشاركة في أي عمل عسكري عقابي ضد النظام السوري بسبب المجزرة بعد رفض البرلمان البريطاني بأغلبية الأصوات المشاركة في أي عمل مفترض من هذا النوع .

 

 

آنذاك كان واضحا أن المنظومة الغربية التي فرضت نفسها كمرجع لشعارات إنسانية براقة تتمحور حول حقوق الإنسان والمساواة وديمقراطية الحكم ، لم تكن جادة في قرعها لطبول الحرب بعد اكتشاف مقتل 1500 مدني سوري معظمهم من الأطفال والنساء على يد نظام الأسد في هجوم كيماوي غادر استهدفهم وهم نيام .

 

 

الإيحاء كان جاهزا لأعضاء البرلمان البريطاني أن لا مصلحة قومية لبريطانيا العظمى في المشاركة بأي هجوم يستهدف النظام السوري مثلما كان الإيحاء أيضا جاهزا لنواب البرلمان نفسه عشية الحرب على العراق بأن مصلحة قومية لبريطانيا تكمن في المشاركة في الحرب .

 

 

 

في الحربين الغربيتين اللتين شنتا على العراق واحدة لإخراجه من الكويت والثانية لاحتلاله والقضاء عليه كبلد موحد وآمن ومستقر ، لم تكن هناك ثمة دلائل مقنعة تكفي لتحريض السياسيين والشارع في الغرب على شن الحرب وإكسابها المشروعية الأخلاقية أو حتى السياسية ، ومع ذلك أخذت الموافقة من المؤسسات التشريعية والدستورية على شن الحرب بسهولة بالتزامن مع الترويج إعلاميا لمجموعة أكاذيب لدعم هذا التوجه وإعطائه زخما وتأيدا.

 

 

والتي كان من أبرزها في الحرب الأولى القصة المختلقة والمفبركة التي روتها ابنة السفير الكويتي آنذاك في واشنطن أمام لجنة إستماع في الكونغرس الامريكي عن الجنود العراقيين الغراة وهم يرمون في الهواء الأطفال الرضع وهم نيام في حاضناتهم في أحد المستشفيات بالكويت!  كانت ابنة السفير تصف هذا العمل ” الإجرامي البربري ” وهي تجهش بالبكاء الذي شاركها فيه بعض الأعضاء الجالسين ، والذي اتضح لاحقا أنها تدربت لأيام على كيفية القيام به بشكل يبدو أقرب إلى الطبيعي أو العفوي.

 

 

يومها أيضا لم توفر بريطانيا الجاهزة للحرب فرصة للتعليق على هذه القصة التي استدعت بكاء من رئيسية الوزراء مارغريت تاتشر . لم يكن القوم إذا بحاجة يومها إلى صور وإثباتات فدموع الصبية الكويتية كانت برأيهم تكفي لتصديق القصة وتخيل الجنود العراقيين وهم يقومون بفعلتهم الشنيعة .

 

 

بالمقابل في مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية ، لم يكن هناك حاجة لتلفيق القصص والأكاذيب ، كانت الصور والمشاهد جاهزة ومتوفرة والدلائل واضحة وموثقة ومع هذا لم يسارع أحد من السياسين ووسائل الإعلام في الغرب على التركيز على صور أطفال الغوطة الشرقية المخنوقين وعويل من تبقى من أهاليهم إلا بشكل عابر ؛ فالمطلوب هنا ليس شن الحرب على المجرم والاقتصاص من فعلته بل التستر عليه وتخليصه من العقوبة .

 

 

هذا حدث قبل وبعد مجزرة الكيماوي ، أرشيف الثورة السورية متخم بصور الأطفال والفتية والنساء والشيوخ الذين قضوا حرقا وذبحا وقنصا وبفعل القصف وتحت الأنقاض ، لكن العالم الغربي صاحب الفعل والكلمة لم يقل شيئا ، سوى أن الأسد فقد شرعيته وأنه يقتل شعبه من دون أن يسمح للصور والأفلام التي تؤكد ذلك في الانتشار بشكل كاف في وسائل الإعلام ؛ كي لا يطالبه أحد بالتدخل لمصلحة الضحايا! وهو بنفس الوقت لم يفعل سوى أنه منع تسلح الضحية للدفاع عن نفسها وسمح بمواصلة تسليح الجلاد للإمعان في جرائمه وتوحشه .

 

 

عبر سنوات خدمتي كمراسل ومنتج أخبار كنت قد تعرفت على عدد من الصحافيين الغربيين وأحد هؤلاء صحافية أمريكية عملت مراسلة لسنوات عديدة في الشرق الاوسط وبعد اندلاع الثورة السورية سآلتها عن تآثير الصور البشعة لقتل المتظاهريين السلميين السوريين على يد النظام على المجتمع الامريكي ، جوابها كان مؤسفا لكنه لم يكن مفاجئا لي : ” تقريبا لا يوجد هناك تأثير كبير على مستوى الشارع أو النخب ، فهناك توجه في وسائل الإعلام الكبرى وذات التآثير لتجنب عرض مشاهد القتل الدموية والمتوحشة للمتظاهرين .”

 

 

الحجة والتبرير هنا مراعاة مشاعر المشاهدين ، نعم من السهل عليهم قول ذلك ،

لكني كما أسلفت لم أفاجأ بطريقة تغطية الإعلام الغربي والأمريكي تحديدا مع أعمال القتل اليومي للمواطنين السوريين بمن فيهم الأطفال والفتية الصغار ، فمنذ جرائم القتل الأولى للمتظاهرين السلميين في مظاهرات درعا الأولى ، خرجت بقناعة تعززت وتأكدت مع الأيام بأن النظام السوري ارتكب وما زال جرائمه بموجب ضوء أخضر وتفويض من أمريكا نفسها.

 

 

تلك التي رتبت الأوراق ، ووزعت الأدوار بعناية ومن هنا ضاعت صور ومشاهد قتل السوريين كبارا وصغارا ولم يجدوا أحدا في العالم تقريبا يتعاطف معهم ويهب لنجدتهم ، رغم علم الجميع بما كان يجري ، وما زال يجري لهم من قتل وتهجير بالجملة أو بالمفرق ، إلى أن جاءت حادثة موت الطفل إيلان غرقا لتتفجر المشاعر فجأة وتظهر للعيان بعد أن تأجل الإعراب عنها طويلا!

 

فعادة كان المسئول المباشر عن قتل الأطفال السوريين شخصا اسمه بشار الأسد ومعه مجموعة من القتلة ، ولأنهم بشر أو هكذا يصفون أنفسهم كان يمكن قتلهم أو على الأقل إلقاء القبض عليهم واستجوابهم والتحقيق معهم ومن ثمة محاكمتهم وإنزال العقاب بهم ، وهو ما لم يكن يرغب أصحاب الفعل والقرار بفعله.

 

 

أما في حادثة غرق الطفل ايلان وعائلته ومن كان معهم  فالفاعل المباشر هو البحر وأمواجه ، ولما كان من غير المنطقي أو الممكن محاكمة البحر فقد انتشرت الصورة وعم الخبر وذرف الجميع الدموع .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد