أصبحت الآفة الاجتماعية «الهجرة غير الشرعية»، أو ما بات يسمى باللهجة الجزائرية «الحراڤة» ظاهرة يسلط عليها الضوء من الخارج أكثر من الداخل؛ لما لها من مآلات سلبية على دول الجوار المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط.

التقينا في هذا الصدد بـ«محمد»، شاب في الثالثة والثلاثين من العمر، حاصل على دبلوم في الفندقة، اشتغل في عدة أعمال صغيرة، لم يبن منزلًا، ولم يشتر سيارة، ولم يتزوج بعد، كعديد من أمثاله من الشباب الجزائري، في مارس (أذار) 2012 قرر السفر لتركيا؛ ليس للتجارة، ولا للسياحة، لكن ليعبر إلى أوروبا عبر الحدود اليونانية، سار على الأقدام 120 كم عبر الغابات والأوحال؛ حتى انتفخت قدماه، واحمرتا، وظن أنه لن يصل لبر الأمان، بعد أكثر من عشرين يومًا، وصل أخيرًا لليونان، ليست المقصد طبعًا، ولكن عبارة عن ممر لأوروبا الغربية، وتحديدًا فرنسا، نجح في ذلك، ولم يجد صعوبة كبيرة، بقيت المسألة التي تؤرق المهاجرين غير الشرعيين «الوثائق»؛ من أجل الحصول على وضعية قانونية تُجنبه المتاعب اليومية في تفادي رجال الأمن التجأ للزواج ببولونية تعيش بفرنسا، بعد أن أقنعها بالدين الإسلامي الحنيف، واعتناقها إياه، تزوجها وأنجب منها طفلا، هي الحياة السعيدة التي يتمناها من تركهم وراء البحر في الجزائر!

لكن ليس كل القصص تنتهي بهذه الرومانسية؛ فـ«نبيل» شاب في مثل سنه، وينحدر من نفس المنطقة، اختار طريقًا آخر: طريق «سيسيليا»، فبعد أن مكث في تونس الشقيقة عدة أعوام أراد أن يغامر بنفسه في البحر المتوسط ليعبر لإيطاليا، للأسف القارب الذي ركب فيه لم يحتمل ثقل الركاب، وانتهت بهم الحياة في أعماق البحر، ولم يعرفوه إلا من وثائقه المبللة، وأصدقائه، الذين تركهم بتونس؛ ليأتي في النهاية أبوه؛ ليتعرف عليه بعد أن اتصلت به الشرطة الجزائرية، بالتنسيق مع الشرطة التونسية.

الباحث في علم الاجتماع، بالمركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي، والأستاذ المحاضر بجامعة بروفونس، أطلق إحصاءات كارثية في المجال بالقول أن الجزائريين يمثلون 87% من عدد الموتى بمضيق سيسيليا الذي بلغ  1674 منذ 1994، و 11% من 11808 مهاجر غير شرعي ألقي القبض عليهم بين تركيا واليونان بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2010 ومارس (أذار) 2011، ليحتلوا المرتبة الثالثة بعد الباكستانيين (16%) والأفغان (23%).(1)

أما الناشطة الحقوقية المختصة في الدفاع عن المهاجرين غير الشرعيين «منيرة حداد» رئيسة جمعية AFAD فهي تشير لإشكالية خطيرة تكمن في لجوء معظم المهاجرين المنطلقين من سواحل «عنابة» للرسوب في شواطئ «كابو تولادا» التابعة لسردينيا، حيث تتواجد قاعدة عسكرية لحلف شمال الأطلسي، والذين قاموا بتلغيم كل الشاطئ لحماية القاعدة.(2)

العلاج!

هناك ثلاثة أنواع من العلاج لكل الظواهر الاجتماعية، علاج آني لا يتعدى مفعوله بضعة شهور، وعلاج قصير المدى مفعوله بضع سنوات، وعلاج نهائي لن يحد من الظاهرة نهائيًا، ولكن سيؤولها للعدم.

العلاج الآني

يتمثل في علاج الأسباب النفسية لظاهرة الهجرة غير الشرعية، بتقوية روح الوطنية، وزرع الأمل، والصبر على الابتلاء، قد يكون بربح الفريق الوطني مباراة كرة القدم ترشحه لكأس العالم، أو الحصول على ثلاث ميداليات ذهبية في الألعاب الأولمبية، أو بتكثيف خطب الجمعة، ومواعظ مدرسية قبل بداية درس الثامنة، أو برفع العلم، والنشيد الوطنيين كل أيام الآحاد في المؤسسات الحكومية، وبالتذكير ببطولات الحرب التحريرية ضد فرنسا سنوات 1954-1962 في جميع القنوات التلفزيونية، وهذا العلاج ليس خاصًا بالجزائر، بل تستعمله جل دول العالم، بعد كل انتكاسة سياسية أو اقتصادية، ويؤكد الخبراء أن انتصار فريق ألمانيا في كأس العالم سنة 1954 ساهم في إعادة الأمل للشعب الألماني، بعد معاناته من حربين عالميتين متتاليتين.

العلاج القصير المدى

يتمثل في العلاج الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، والشغل لفئة الشباب بشكل خاص، والتقليص من نسبة البطالة والفقر، ورفع نسبة القدرة الشرائية، وذلك من خلال تنويع الاقتصاد الجزائري الذي يمثل البترول نسبة 90% من حجم الصادرات، والتسويق للمنتج المحلي، وتفضيله على الخارجي خاصة في الصفقات العمومية الحكومية، ولا نقول خلق مؤسسات مُصغرة ومتوسطة؛ فالدولة تقوم بها نوعًا ما عن طريق الوكالة الوطنية لتشغيل الشباب (ANSEJ)، ووكالة (ANGEM)، وقد بلغ عدد المؤسسات التي قامت بإنشائها نصف المليون، لكن للأسف تميزت بالرداءة، وانعدام المُتابعة، وأغلبها أفلست، وأموالها هدرت والدولة، تقوم بمسح الديون بدلًا من تشخيص، وتحليل أسباب إفلاسها.

ونقول إن هذا العلاج مفعوله قصير المدى؛ لأنه بكل بساطة قد يُقلص نسبة الهجرة لدى الطبقة المتوسطة، لكن لن يوقف هجرة الأدمغة والإطارات؛ لأنه، وكما أسلفنا ذكره أسباب هجرة هذه الفئة ليست اقتصادية بحتة، ولكن مُعظمها لإثبات الذات والانطلاق بعيدًا في تحقيق مشاريع علمية وتكنولوجية لا تحظى بأدنى اهتمام في الجزائر.

العلاج البعيد المدى

والطبقة المثقفة لا يجمح هجرتها نحو الخارج توفير المعيشة الرغيدة، بل بتوفير الجو العلمي لتجسيد مشاريعهم البحثية، وفتح المجال للكفاءات؛ من أجل الوصول للمناصب العليا في الدولة، كالوزارات، والوكالات الوطنية؛ من أجل إثبات الذات، وخدمة الوطن بكل ما يملكونه من طاقة؛ فالمغتربون ليسوا أقل وطنية من الذين اختاروا البقاء في أرض الوطن إخلاصًا أو اختلاسًا.

وبدلًا من كل هذه الاقتراحات شرعت الدولة المادة 57 التي تقضي بمنع مزدوجي الجنسية من المناصب العليا في البلاد، في حين وضعت الولايات المتحدة الأمريكية البطاقة الخضراء التي تمنح الجنسية الأمريكية لآلاف الأشخاص سنويًا من كل نواحي العالم لتجديد الدم الأمريكي، وجعله يختلط بكل ألوان العالم، ناهيك عن البرامج والإغراءات، التي تمنحها للعلماء والباحثين من كل البقاع، ومن مُختلف التوجهات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(01) مقال ل "نعيمة بنوارات"باليومية الجزائرية EL WATAN يوم: 18 ديسمبر 2011
(02) نفس المصدر
عرض التعليقات
تحميل المزيد