رحلوا عن أوطانهم وحزموا أحلامهم معهم؛ لعلها تكون طوق نجاة في رحلة البحث عن المجهول! أو يممكنا القول رحلة الموت البطيء، ولكن أحلامهم خذلتهم – كما خذلهم كل شيء- فغرقت معهم  أحلامهم، ولم تكن سوى أطواق نجاة مليئة بالثقوب.

والغريب أن أحلامهم لم تكن أحلامًا مبالغًا فيها، بل كانت مجرد حقوق يحسبها الجاهل أحلامًا، حلم كل فرد الوحيد: أن يكون إنسانا، ولكنهم في لحظة يأس تناسوا أو نسوا أنهم من وطن فقدوا فيه كل شيء، ولم يعد لهم أمل في أي شيء.

لو عادت الحياة بهولاء مرة أخرى، ولو ليوم واحد لحسدوا الطيور! نعم حسدوا الطيور! فالطيور عندما تهاجر من مكان لآخر تستطع عبور الحدود والوصول بأمان، أم هنا يا ليتهم عبروا الحدود وقتلتهم يد الآخر! بل غرقوا داخل حدودنا ولم ينقذهم أحد.

ما الذي يدفع أبا وأسرته وأولاده أن يخاطروا  بكل ما ادخروه؟ ويلقوا بأيديهم إلى التهلكة وطريق الموت البطيء؛ سوى انهيار الحلم في الداخل، والإحساس بالغربة داخل وطن يضحي بكل القيم العليا والاحترام والإنسانية، ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد! بل أصبح الوطن كالقطة التي تأكل أولادها من الخوف، وليس الموت هو طريقة الأكل الوحيدة، بل هناك طرق أخرى كلها تتمحور تحت راية الظلم.

ومع الظلم المتكرر الذي أصبح سمة الحياة في وطننا الغالي، أصبحنا نعاني من العزلة والاغتراب، ونحن في حضن أهلنا وذوينا، وهجرنا الوطن بعقولنا قبل أن نهاجره بأجسادنا.

والغريب أنه في الفترة الأخيرة، ومع تزايد وتيرة الأزمات الأقتصادية والغلاء، خرج علينا بعض المنتفعين من الإعلاميين أصحاب أبواق النفاق، يقولون بكل بجاحة: «اللي مش عاجبه البلد يسيبها»، وعندما طبق غارقو مركب رشيد مقولتهم حرفيًا، نجدهم يخرجون علينا، ويقولون عكس ما قالوا سابقًا : «ما داموا معهم فلوس كان يعملوا مشروع داخل الوطن بدل ما يرموا أنفسهم في الهجرة ر الشرعية».

وهؤلاء يعيشون في كوكب آخر، فالواحد منهم يتقاضى ملايين سنويا وبعضهم يتقاضاها شهريًا، فليس خسارة له أن يبدأ مشروعا ويخسر فيه عشرات الآلاف من الجنيهات، أم الذي قضى كل عمره من أجل ادخار مبلغ أربعين أو خمسين ألف جنيه، كيف يخاطر مثلهم؟ ويستثمر أمواله في وطن هجره عقله وروحه، وصار جسدًا بلا روح يمشي على الأرض.

ويبدو أن المسؤولين أطال الله عمرهم، قد عرفوا هذه الحقيقة: إن هولاء مجرد أجساد لن يحاسبهم عليها أحد، إذا غرقت في عبارة أو ماتت في حوادث الطرق أو تعرضت لأي ضغوط تجبرها على بيع أعضائها، أو الإقدام على طريق الانتحار الفعلي أو الانتحار ر المقصود والموت البطيء، بالهجرة على مراكب ر صالحة لاستخدام ذلك العدد الضخم.

أقول ذلك لأن هناك دليلاً قويًا؟ ما هو؟ أن مركب شحن البضائع، عفوًا شحن السلع والمنتجات، عفوًا شحن المهاجرين، هذه المركب ظلت عالقة بالمياه لعدة أيام، والمهاجرون يصلون لها خلال تلك الأيام عبر مراكب صرة، خلال هذه الأيام لم يلاحظ أحد من حراس مصر وعيون مصر الساهرة مركب شحن المهاجرين؟! لم يلاحظ أحد أن المراكب تخرج من الشاطئ محملة بالركاب وتعود خاوية؟!

وفي نهاية الأمر سيرفعون لافتات «لابد من معاقبة أصحاب مركب شحن المهاجرين»، إنهم فسدة وضمائرهم ماتت لن نتهاون معهم، وهذا يذكرني بمقولة الراحل «جلال عامر» حينما سخر من خبر «القبض على شحنة قمح فاسد»، قائلًا:

«بالذمة القمح هو اللي فاسد».

وإذا كنت من أنصار «إيه اللى وداهم هناك» أقول لك : «إيه اللى رماك على المر؟»، أقول لك «اللي بيهرب من النار بيروح للمياه»، وأن كنت ر مقتنع حتى الآن، فإليك هذا الخبر السار الذي انتشر في عدة جرائد مصرية وهو:    «وجود عجز في أكياس حفظ جثث الموتى برشيد»، وطن عاجز عن توفير أكياس لحفظ جثث الموتى، كيف يحافظ على كرامة أفراده، وكيف نلوم هؤلاء على سلوك طريق الموت البطيء، وهم كانوا يموتون يوميًا بالبطيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الهجرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد