في زمن الألفية والإشعاعات الليزريّة، والديجيتال، والروبوتات، والحوسبة المعولمة الرقمية في هذا القرن باتساع الشبكة العنكبوتية بعمق القرن الواحد والعشرين، في زمن لا يخلو من التجارب النووية، والذّرة، والدراسات الكيماوية، وتطوير القدرات الدقيقة لأهداف الصواريخ القارية؛ تُعدم خنقًا وغرقًا أنواع النسل البشرية، الذكور والإناث بمحور معاكس لاحترام الإنسانية؛ لتتجسد بوقتنا الحاضر جثة لمسافر أو مسافرة تموت بهجرة غير شرعية، تنتشي الاغتراب وألم معاناة البشرية قبل الموت المحال، والمحتم بقلب البحر، أو على إحدى الرمال الشاطئية لإحدى الدول الساحلية، وغالبًا ما تكون دولة ذات سيادة موحدة وديمقراطية غربية؛ ذلك الموت الهامد والصامت، والناجم عن الهروب من فكرة التعايش مع الحرب الطائفية الأزلية، أو حرب تكشف عن أنيابها الافتراسية الغاشمة بلا بارود ونار وبندقية؛ لتحصد العشرات بلا خطة استراتيجية مستتقبلية فهي حرب مفتوحة بلا قيود، تلك الحروب يكثُر بها خرق لقوانين الأمم المتحدة، وخرق لقوانين الإنسانية؛ فتبدع يد الخبث دائمًا ببصمة عنجهية الإنسانية في حاضرنا، عندما تجسد حالة من التمثيل لكبرى الجرائم الإنسانية؛ من هنا من الهروب الفطري للنجاة بالروح، تولد الهجرة غير الشرعية هروبًا للموت من جانب معتم، بلا وجهة، وبلا محددات أولية؛ للظفر بالغرق قبيل النيل بلقب الجنسية، أو الوقوف بظل قوانين تحمي الأمل، وتناضل وتناصر الحرية في جسد الضحية المدنية، يموت الآلاف من العقول، والثروات الإنسانية في كل يوم في مياه ضحلة محدودة المساحة الجغرافية حصرًا وكلية، ويموت الكثير من النوابغ البشرية، ويموت بصمت أيضًا المضطهدون من الأقليّات الدينية «الروهينغا» مثلًا بمساحات إقليمية لا نهائية. أصبحت بيومنا هذا الهجرة غير الشرعية شريكًا ثانيًا للحرب؛ التي من شأنها من وجهة نظرهم أنها تحل الخلافات بكافة أشكالها العرقية، أو العسكرية، أو الاقتصادية، أو النزاعات لأجل أرض خصبة، أو بترولية على قوارب خشبية؛ هناك تولد وتموت في نفس الحين الفكرة المتشعبة بالهجرة العبثية العشوائية بألوية الحياة المستقرة، وبملاجئ الحصول على الجنسية والهوية، تلك الهجرة الضبابية، وغير الواضحة النواتج والمعالم؛ ترسم مخططًا استراتيجيًا مخالفًا لاستراتيجية حرب الإبادة، للظفر بحياة اجتماعية تركية، أو ربما حلم يلفظ أنفاسه إلى أوروبا مرورًا بشريان اليونان، أو على شواطئ ليبيا الخضراء، أرض النمو والحياة، واغتيال الإنسانية بخصوبة، وبطمع المال، واللا إنسانية، وبهجرة مبهمة بتصريح الاتجار بالبشر، وسماسرة الهجرة لسواحل إيطاليا العجوز؛ للخلاص من القتل والذبح والتشريد بسكين الحروب والثورات العربية.

بعد فترة وجيزة من انطلاق سفن النجاة غير الآمنة من مرفأ اغتيال الإنسانية، إلى ساحل الحياة المؤقتة، إذا ما تم فعلًا الانتقال من حدود مشتعلة إلى حدود خامدة، وهادئة، وحاضنة لكل الآلام الوطنية، تُعلن الصحف والمجلات الدولية عن العشرات من المفقودين، وضحايا الهجرة السوداء، والقتلى اللاجئين ممن لم يحالفهم الحظ؛ فلفظتهم الأمواج العاتية للشاطئ، ورفضت إعطاءهم فيزا الحياة، والإقامة المؤقتة على أرض تمنح حق اللجوء وتمنح المواطنة، واللغة، وكل سبل التعليم والإنسانية.

نعم هنا فخ يحصد العشرات باسم اللجوء غير المعرّف بسجلات قوانين الإنسانية، هنا القدرة الإلهية؛ إما أن تكون ممن يرعاه القدر بقدرة الخالق، أو ممن ينتظر وقوع القدر بقدرة الخالق، على جميع المحاور، وجميع الأوزان الإنسانية؛ حالات الغرق تلك استنزاف للعرق الانتمائي وفجوة تتشكل بفعل الحرب ما بين المواطن، والانتماء للهوية ما بين الحب، والإجبار ما بين الضرورة وما بين الأشد ضرورة، ما بين الرغبة في الحياة بشكل طموح وآمن، وما بين الصراع للحياة بأي شكل سواء منصاعًا للأوضاع الراهنة، أو مجبرًا على الانصياع للأوضاع في تلك البقعة المقتنصة من كافة العيون المهجرة بطرق غير موثقة وغير شرعية.

نصل إلى التحليل الفكري، والجانب الروحاني، والعفوي في تلك العقول المهاجرة؛ ربما من يحالفه الحظ وينجو يبدأ بالعمل على تكوين ذاته من جديد، والتعايش على أرض أجبرته الظروف أن يكون بها، لا يهم إن أصبح فردًا فعالًا، فهو أنجز مهمته الأولى بالوصول للحياة، والنجاة والوصول إلى المتطلب الإنساني الحياتي والرغبة الأولى.

ولكن باعتقادي هناك جزء من القلب البشري، غالبًا ما يرغب ببناء ذاته في مكان مسقط رأسه، وغالبًا ما ينمق ويهمش الاغتراب، ويرغب بالحبو زحفًا أو غرقًا إلى نفس البحر، ونفس المغامرة، ونفس القارب للعودة إلى الوطن، إما الموت مرة ثانية لأجل الوطن الأم، طالما أن المرة الأولى لم تنجح بقتله صدفة، وأوصلته للاغتراب، وإما النجاة والعودة للوطن الحقيقي المخرج منه، والمهجر جسده من أرضه عن سبق إصرار وتعسف، بإرادة تفوق الحرب إنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد