الآلاف من الجثث تنتشل كل عام من السواحل الأفريقية وساحل البحر الأبيض المتوسط لشباب في عمر الزهور، اختاروا البحر طريقًا للعبور للضفة الأخرى من الحياة، باحثين في الدول الأوروبية عن حياة أفضل، باحثين عن الحرية من أنظمة مغاربية استنزفت كل حقوقهم وسلبتهم كل أحلامهم. أجل يسجل أمن سواحل المتوسطية شهريًّا عشرات المفقودين المغاربة وينتشل عشرات الجثث مجهولة الهوية، جثث رماها موج البحر على الشاطئ بعد أن شوهتها ملوحة الماء واستنكرتها حيتان البحر.

وقد سجلت ظاهرة الهجرة غير الشرعية منحنى تصاعديًّا في السنوات الأخيرة في كل من الجزائر، والمغرب، وليبيا، وتونس، موريتانيا. حتى اصطلح الإعلام عليها بظاهرة «الحرقة». هذا المصطلح الذي تبنته العديد من الدراسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بعد ذلك لدلالة على نية الهجرة دون عودة. إذ يحرق المهاجرون غير الشرعيين ويتلفون هوياتهم من جوازات سفر ووثائق ثبوتية بمجرد وصولهم لوجهتهم الأوروبية؛ لتصعب عملية إرجاعهم جبرًا إلى دولهم الأصلية.

هذا وقد دقت الوكالة الأممية للهجرة ناقوس الخطر مؤكدة التصاعد غير المسبوق لظاهرة الهجرة السرية لشباب دول المغرب العربي، هذه الدول التي تشترك في إطلالتها على البحر الأبيض المتوسط، وهو الفاصل الجغرافي بينها وبين دول أوربا الجنوبية، يشترك شعبها في تركيبته الديمغرافية والعرقية. وتجمعه الظروف ذاتها الاجتماعية والاقتصادية الصعبة؛ مما جعل أوروبا هي الحلم بالنسبة لهم لتحسين ظروفهم المعيشية والعيش حياة كريمة، خاصة بعد أن استطاع الإعلام أن يصور لهم أن الحياة في الدول الأوروبية هي حياة وردية، وهي الصورة ذاتها التي يرسمها المغتربون ويفندها السواح الوافدون إلى دول المغرب العربي سنويًّا خلال فصل الصيف مما يظهرونه من ثراء وترف في العيش.

فأصبحت الهجرة إلى أوروبا هاجسًا مشتركًا لكل أولئك الذين ضاقوا ذرعًا بحياتهم في بلدانهم من رجال ونساء باختلاف أعمارهم، لغياب العدالة الاجتماعية، وانتشار الفساد، وتفشي البطالة، واحتكار ثروات دولهم في يد فئة محدودة من المواطنين، وتوجد الفئة الساحقة دون مستوى خط الفقر. وقد اختار هؤلاء الهجرة عبر الوسيلة الوحيدة المتاحة «قوارب الموت» رغم ما تشكله من خطورة، ورغم ما تحصده سنويًّا من عشرات الضحايا والغرقى والمفقودين، فإن التطلع لحياة كريمة في أوروبا كان هو الدافع لخوض هذه المغامرة غير المضمونة النتائج، وعمل سماسرة البحر على تشجيع هذه الظاهرة عن طريق جذب ضحايا جدد كل يوم من طلبة وبطالين وخريجي جامعات وأرباب أسر.

تحتل الجزائر المرتبة التاسعة بين الدول المصدرة للهجرة غير الشرعية عبر الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، حسب ما أوردته المنظمة غير الحكومية «ألجيريا ووتش» فلا يكاد يمر يوم من دون أن تحبط فرق حراس السواحل محاولات لهجرة سرية، ففي سنة 2016 أحصت المنظمة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أكثر من 1206 جزائريين ركبوا أمواج بحر الأبيض المتوسط في هجرة غير نظامية نحو أوروبا. وسجلت قوات حرس الشواطئ سنة 2017 إحباط عدة محاولات لهجرة غير شرعية لـ3109 مهاجرين، من بينهم 186 امرأة و840 قاصرًا، وسجلت سنة 2018 أكثر من 10 آلاف جزائري وصلوا إلى أوروبا في حرقة جماعية تشارك فيها عائلات بأكملها للوصول إلى ضفة شمال المتوسط. وجاء عن الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان أن هذه الإحصائيات تبقى بعيدة كل البعد عن الأرقام الحقيقية؛ ذلك أن عشرات من المفقودين تسجل شهريًّا لدى أمن السواحل لعائلات فقدوا أبناءهم في البحر بعد أن فقدوا الاتصال بهم، ولم يؤكد وصولهم إلى الضفة الأخرى من الساحل.

وفي المغرب عرفت ظاهرة الحرقة أيضًا مؤشرًا تصاعديًّا خلال الثلاث سنوات الأخيرة بحسب تقرير رسمي لوزارة الداخلية الإسبانية، حيث أحصت ما يزيد على 10 آلاف مغربي دخل أراضيها بطريقة غير نظامية، اختار هؤلاء المهاجرون طريقين للدخول للأراضي الإسبانية، فإما عبر قوارب الموت فلا يفصل شاطئ طنجة المغربية عن الشواطئ الإسبانية سوى 15 كيلومترًا تقريبًا مما يسهل على الشاب المغربي التنقل عبر القارب للضفة الأخرى، أما الطريقة الثانية والأقل إقبالًا لما فيها من الخطورة فهي تجري عبر السياج الحدودي للمدينتين المغربيتين الواقعتين تحت سيطرة الاستعمار الإسباني مليلية وسبتة، والذي أنشأته السلطات الأمنية الإسبانية في حدودها مع المغرب، وبحسب تقديرات مرصد الشمال لحقوق الإنسان المغربي تحتل الهجرة السرية عبر قوارب الموت المرتبة الأولى في ترتيب مسالك الهجرة غير النظامية للشباب المغربي بنسبة 60%، في حين سجلت نسبة 20% من المهاجرين غير الشرعيين عبر السياج الحدودي الفاصل بين المغرب وإسبانيا.

إن تسليط الضوء على الظاهرة ذاتها في تونس يؤشر أيضًا بأرقام تصاعدية خلال السنوات الأخيرة رغم ما أتت به ثورة تونس من مفاهيم جديدة للحرية والديمقراطية، فإن ظاهرة الحرقة في تونس تصاعدت بشكل غير مسبوق منذ سنة 2011؛ فقد سجلت السواحل التونسية ما يزيد على 84 شخصًا لاقوا حتفهم شهر يونيو (حزيران) 2017 وما يزيد على 90 مهاجرًا أيضًا هلكوا شهر فبراير (شباط) 2018، وقد أحبطت السلطات التونسية خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2011 و2017 نحو 950 عملية هجرة غير نظامية حيث تشير تقديرات المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين يصل إلى 6 آلاف تونسي سنويًّا وإن سواحل جنوبي إيطاليا هي وجهة أغلبهم عبر قوارب الموت بمعدل 25 مهاجرًا في المركب الواحد.

كل تلك الأرقام استحقت الوقوف مليًّا واحتاجت لدراسة تحليلية مستفيضة من طرف المختصين. فدراسة ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو الحرقة لا تتطلب دراسة وصفية استقصائية لأسباب الظاهرة؛ فأسباب تفشي الظاهرة وانتشارها لم يعد من مشكل الحال. بل إن دراستنا هنا تتطلب حصرًا للظاهرة وتقديم حلول فعَالة لمئات الشباب المغاربي الذين نفقدهم سنويًّا في عرض البحر طعامًا للأسماك، والمئات منهم يرميهم الموج إلى الشواطئ مشوهي الجثة، والمئات منهم يحتجزون في سجون مجهولة بتهمة التشابك مع أمن السواحل وإتلاف هوياتهم، تحتاج الحكومات أن تعيد النظر في سياستها تجاه شبابها، وأن تستعيد ثقتهم بطرح برامج تنموية جادة تسعى من خلالها إلى تحسين مستوى المعيشة عن طريق تحقيق العدالة الاجتماعية، والتقسيم العادل للثروات، والمساواة في الفرص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد