طيلة الأسبوع الماضي تصدرت ظاهرة «الحرڤة» عناوين الصحف والأخبار في الجزائر، بعد أن وصفها الوزير الأول أحمد أويحيى بالظاهرة المشوهة لصورة البلاد، أئمة يحرمون شرعًا «الحرڤة»، وهي كلمة جزائرية تعني الهجرة غير النظامية أو ما يسمى بالهجرة غير الشرعية، مستدلين بآيات من القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، في تحريم قتل النفس بغير حق، وذلك بعد إصدار فتوى رسمية من المجلس الإسلامي الأعلى مفادها تحريم ما يسمى بالهجرة غير الشرعية. والتي أيدها بدوره وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، إِلا أنه وصف المهاجر كضحية أعمال احباط بعض السياسيين الذين يحسنون الهدم أكثر من البناء. فهل تلجأ الجزائر اليوم إلى رجال الدين بعد أن فشل الساسة في احتواء هذه الظاهرة؟

لعل المشكلة التي نصطدم بها، ونحن نحاول إيجاد حلول لظاهرة «الحرڤة» هي أننا نجد أنفسنا عاجزين تمامًا عن فهم أسباب هذه الظاهرة أساسًا، وبالتالي نتجه مباشرة إلى الحلول الاختزالية، كالاستعانة بالمؤسسة الدينية، وإلقاء اللوم على الآخر وتبادل الاتهامات؛ لأن الظاهرة التي نعيشها حاليًا في الجزائر، خصوصًا والوطن العربي عمومًا هي ظاهرة معقدة، ولا يمكننا اعتبارها مسألة تنحو منحى سياسيًا خالصًا، بل هي قضية أكاديمية وبحثية تستدعي المناقشة، التفسير، التحليل والنقد؛ لأننا نعيش أزمة فكرية مجتمعية من الدرجة الأولى قبل أن تكون سياسية.

من البديهي القول أن اتخاد قرار الخروج من الوطن لم يكن بالأمر الهين أبدًا بالنسبة للشباب والعائلات المهاجرة بطريقة غير نظامية، بل توجد أسباب دفعتهم إلى التخلي عن الجزائر – الوطن تجاه أوروبا. قمع الحريات تدهور الأوضاع الاجتماعية، الثقافية، الصحية، عدم ترابط التعليم وحاجات التنمية وسوق العمل، ارتفاع معدلات البطالة بين المثقفين وغير المثقفين… وغيرها.

كلها أسباب ساهمت بشكل أو بآخر في تنامي ظاهرة «الحرڤة» بين الشباب والعائلات لتوفير متطلبات وشروط أفضل لحياة كريمة في الضفة الشمالية من المتوسط، لكن هل يمكننا اعتبار هذه الأسباب كافية لفهم الظاهرة المراد دراستها؟ وهل يجوز تصوير«الحراڤ» كضحية أعمال إحباط بعض السياسيين الذين يحسنون الهدم أكثر من البناء كما وصفه وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى؟

بدلًا عن اعتباره فاعل أساسي يعكس تناقضات الدولة الأمة الحديثة وإشراكه في إيجاد حلول لهذه الظاهرة الاجتماعية التي أصبحت تؤتر على مختلف المجالات منها السياسي، الأمني، الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي، يصور «الحراڤ» اليوم على أنه ضحية من جهة، ويعامل معاملة المجرمين من جهة أخرى. عند النظر «للحراڤ» الجزائري بعدسات الدولة الأمة الحديثة، فإننا نلحظ علاقة تصادمية بين مقوماتها الأساسية والفرد «الحراڤ»، هذه المقومات التي تتلخص في الأمة باعتبارها كيان مجتمعي يدعي التجانس، والسيادة باعتبارها مفهومًا قانونيًا، وكذا الإقليم باعتباره الحيز الجغرافي الذي تمارس فيه السيادة وتشكل حدوده. ليس هناك ما يحل هذه الظاهرة في الجزائر، إلا شيء أساسي يجدر بنا الانطلاق منه، وهو إشراك «الحراڤ» الإنسان أولًا، و«الحراڤ» المواطن ثانيًا في إيجاد الحلول بعد أن أقصي من ثلاثية الدولة – الشعب – الإقليم. ولن تكون هناك حلول جذرية، لا في الجزائر، ولا في المنطقة العربية إلا بذلك.

يبدو من الوهلة الأولى أن اللجوء إلى المؤسسة الدينية ما هو إلا محاولة عرجاء لتبرير الفشل الذي تعيشه مجتمعاتنا. فإن آخر ما تحتاجه البلاد في مثل هذه الأوقات، فتاوي دينية رسمية تحرم ما يسمى بالهجرة غير الشرعية، تحتاج البلاد لأن تواجه واقعها كما هو بلا تمويه، إلى الاعتراف بالأزمات التي نعيشها بعيدًا عن كل أشكال الاستمرارية التي تجعل من المواطنين درجات، بحيث يقصي المواطن الذي يحتل الدرجات الأخيرة من المجتمع والوطن الذي يعيش فيهما. فالخطاب الديني كأداة ضبط يفقد قدرته في مواجهة مثل هذه الظواهر. فلم يعد المسجد ولا الأسرة، هي المؤسسات التي تتحكم بالفرد، بل أصبح تسييس الدين وتديين السياسة في حالة تآكل وذبول في الجزائر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد