تعد الجمهورية التركية وبسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي الرابط بين قارتي آسيا وأوروبا ترانزيتًا دوليًا للمسافرين من كلتا القارتين أو من جميع أنحاء العالم، فإذا كنت مواطنًا تحمل جواز سفر مصنف على قائمة جوازات الدول الأكثر قوة في العالم فأنت لا تحتاج لفيزا لسفر، وإذا كنت من مواطني الدول الذين يحملون جواز سفر أقل قوة وتحتاج للسفر ما عليك فعله هو الذهاب إلى قنصلية البلد التي ترغب في السفر إليها وتقدم طلب للحصول على تأشيرة، في كلتا الحالتين ستحصل على فيزا إما ملصقة على الجواز أو إلكترونية وربما بدون، الآن يبق حجز تذكرة الطيران وتجهيز الأمتعة والذهاب إلى المطار ومن ثم إلى البلد المراد الوصول إليها.

الرحلة وإن كانت من أقصى الشرق الصيني إلى ولاية ألاسكا لا تتجاوز من الوقت 24 ساعة، أما عن الترانزيت ليس بالضرورة أن يكون في كل رحلة كل مسافر لكن هناك مسافات بعيدة ستتطلب منك الوقوف موقتًا في المطارات ولأننا نتحدث عن تركيا فالمطار الأكثر المعرفة للمسافرين هو (أتاتورك) ترانزيت القادمين من آسيا إلى أوروبا أو بالعكس، أو من أفريقيا إلى أوروبا أو بالعكس أيضًا، لكن الحال مختلف في تمامًا للمواطنين القادمين من الدول التي لا يعني جواز سفرهم أي اهتمام لموظفي المطارات سوى الاتهام لحملته هم الفلسطينيين خاصة منهم سكان قطاع غزة – والسوريين اليمنيين حاليًا أو بالأحرى معظم الدول العربية التي تعاني من أزمات داخلية عدا دول الخليج.

في صالة الترانزيت في المطارات أو ما يعرف بالوقوف المؤقت، المسافرون يبحثون عن أرقام رحلتهم والجميع مشغولون بمواعيد سفرهم منهم من يريد الذهاب لقضاء عطلته من أسرته التي غاب عنها منذ وقت ومنهم من يريد الذهاب لقضاء العطلة في إحدى الجزر السياحة أو لعمل ما،…. فالظروف متعددة لكن الراحة للجميع والدفع مسبق لا تتجاوز التكلفة 2000 دولار والمخاطرة غير موجودة، فالشركات تتحمل الآثار الناجمة حال حدوث أي ضرر لأي مسافر.

السلع الدولية متوافرة والمطاعم على قدر كاف من العالمية، أنواع السجائر الفاخرة والنبيذ الأحمر والمصلى والفنادق وكراسي الراحلة والشكولاتة بأنواعها، كل ما يحتاجه المسافر موجود، فالأوروبيون والآسيويون وجميع الأجناس يجتمعون في دولة لا عنصرية فيها ولا هوية مؤقتًا يتحدثون عن جولتهم وزياراتهم وأعمالهم وتطلعاتهم وما إلى ذلك.

لا أحد يحسب مقدار المال المدفوع، الجميع يريد العبور بعد تغيير طاقم الطائرة، والاستعداد للرحلة التالية، الأرقام متتالية البوابة المفتوحة ترحب بالمسافرين: أهلا بكم على متن الخطوط الجوية التركية.

لكن على الجانب الآخر من المطار هناك محطة توقف للمهاجرين ينتظرون موعد انطلاق رحلتهم، إنها ليست ساعات فقط ربما تمدد لأيام أو أسابيع أو أشهر أو ربما سنيين تتوالى حسب المقدرة المالية، المسافر غير الشرعي أو المهاجر الذي يبحث عن الجواز يؤمن له حياة كريمة، منشغل دومًا في ابتكار طرق للهجرة إلى أوروبا عبر (ترانزيت تركيا) تارة يحلم في الذهاب إلى اليونان وأخرى إلى الإكوادور ربما ماليزيا أو فنزويلا وتارة يبحث عن خطوط جوية تسمح له الركوب في الطائرة، هنا يختلف الأمر تمامًا ليس مثل الصالة الشرعية ينتظر الأرقام للركوب إلى الطائرة بل ينتظر موعد المهرب (تاجر البشر) كي يلقي عليه آخر ما توصل إلى علم تهريب البشر، ربما بالبحر أو الجو أو البر، الاختيار ليس سهلا، المحدد الرئيس للرحلة الأقل خطورة هو المال، إما أن تدفع مالًا أكثر أو تتنازل أكثر وربما الموت دون الوصول.

لا أحد يتحدث من الذين يحلمون باللجوء إلى أوروبا عن رحلته التي قضاها الصيف الماضي أو عمله الذي أنجزه أو آخر مهماته، الحزن والمآسي في قصصهم كفيلة بموت أصحابها بمرض الهموم، لا يتنظر المسافرون غير الشرعيون رحلتهم في مقهى «ستار باكس» في المطار وهم يشربون القهوة الأمريكية المكسورة بقليل من الحليب مع سيدة فاق جمالها الوصف، بل ينتظرونها في سكن شبابي مزدحم بجشع صاحب البيت الذي لا يرحم من لا يمتلك المال للمبيت ليوم واحد، لا أحد من هؤلاء المسحوقين لديه أدنى تصور عن ماذا سيحل به في الطريق وإلى أين ستؤول الأمور به، فقط جل معلوماتهم معتمدة على الأصوات والأقاويل الفارغة التي يتحدث بها المهرب ومن قطع المال سبل وصولهم الرحلة هي المال أسعار ركوب البحر تساوي قرابة 700 يورو أسعار البر قرابة 1200 يورو أما الجو أسعاره متنوعة يبدأ من  5000 يورو وأكثر، رحلة الموت تنتهي بانتهاء المال.

تجار البشر مجردون من الإنسانية تمامًا، ستحتاج للوصول إلى الجزر اليونانية 2 كيلو سباحة بدون قارب وفي البر مشي ما يقارب ساعتين هذا ما يقوله المهرب للاجئين، تشبه درجات السفر على متن الخطوط الجوية، الدرجة الاقتصادية والسياحية ورجال الأعمال هم من يدفعون أكثر للوصول بأمان وسلامة إلى البلد المراد للجوء به.

بعد النظر في الفارق بين المسافرين عن طريق المطارات والمسافرين غير الشرعيين وهي المقاربة التي تحدث يوميًا مع طالبي اللجوء، تشعر بأن كل شيء متفق عليه تمامًا من قبل الحكومات، فكيف لتركيا الدولة التي أفسدت انقلابًا كان سيؤدي بها إلى الهاوية أن تسمح لتاجرة البشر وصانعي الترانزيت غير الشرعي بالعمل على أراضيها، كيف لأوروبا الراعية لحقوق الإنسان كما تدعي على نفسها تمرر قانون عدم الاعتراف أو يجوز كسر بصمة الدبلن المأخوذة في اليونان للمهاجرين غير الشرعيين وكذلك الأمر في إسبانيا، بوابة أوروبا الشرقية مفتوحة ونشط عمل المهربين تحت عيون الحكومات وبوابة أوروبا الغربية أيضًا مفتوحة لتنشيط التهريب.

وأخيرًا، طوبى للعصافير في القفص عرفت حدود سجنها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد