كل عام تذهب أرواح الآلاف من ضحايا ما يعرف بالهجرة غير الشرعية لبلدان جنوب أوروبا غرقًا في مياه البحر المتوسط، وذلك خلال رحلات محفوفة بالموت على متن قوارب مكدسة بمئات الأشخاص من بلدان مختلفة، وتشير التقديرات إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء هم من الشباب العرب والأفارقة الذين قدموا من بلدان الصحراء الكبرى وشرق أفريقيا.

وتواجه هذه البلدان الفقيرة خطرًا على المدى البعيد نتيجة استنزاف مواردها البشرية المتمثلة في هؤلاء الشباب الذين تفقدهم كل عام على شواطئ البحر المتوسط. في نموذج مشابه لرحلات شحن العبيد التي جرت بين القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين، مع الفرق في الأدوار هذه المرة فالعبيد نقلوا خارج أوطانهم رغمًا عنهم، أما اليوم فهؤلاء المهاجرون هم من يموتون ليخرجوا من أوطانهم المتخلفة ويلحقوا بالعالم المتحضر في الغرب في شكل من أشكال عبودية الحضارة.

فهؤلاء الشباب الذين يمثلون مستقبل بلدانهم، بغرقهم يغرق مستقبل تلك البلدان مثلما هو غارق حاضرها.

فما الذي يدفع هؤلاء لخوض غمار تلك الرحلة القاتلة، رغم علمهم المسبق بأنهم ربما يقطعون طريقًا مختصرًا نحو الموت؟

إنه الحلم الأوروبي الذي دفعهم لترك ذويهم وبلدانهم بحثًا عن سراب الحرية المزعومة في الغرب، وطمعًا في حياة أفضل تنتشلهم من براثن الفقر والبطالة وانعدام الحرية السياسية والحروب والصراعات الاجتماعية والمذهبية في بلدانهم الأصلية.

وغالبًا ما يضيع هؤلاء ضحايا شبكات من عصابات مافيا الهجرة غير الشرعية تشكلت على مدى سنوات وأصبح لها فروع في عدد من البلدان التي يتشكل منها مسار تلك الرحلات، من أول سماسرة الموت في البلدان المصدرة لتلك الشحنات البشرية، إلى ملاك القوارب في البلدان الوسيطة الواقعة على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، والتي تعد بمثابة نقطة عبور للضفة الأخرى من المتوسط حيث الأرض الأوروبية الموعودة.

وخلال ذلك المسار يفقد الكثير من هؤلاء المهاجرين أرواحهم إما على يد تجار الأعضاء البشرية أثناء الرحلة الطويلة التي يقطعونها سيرًا على الأقدام في الصحراء، أو على يد جنود حرس الحدود لدى محاولتهم التسلل والعبور من بلد لآخر، أو حتى الموت جوعًا وعطشًا تحت شمس الصحراء الحارقة.

أما من يكتب له القدر أن يعيش ليصل إلى الشاطئ فيفاجأ بأنه مجبر على ركوب واحد من تلك الزوارق التي تشبه النعوش، يحمل كل منها أضعاف طاقته من البشر.

وغالبًا ما يواجه هؤلاء الغرق أو الإغراق المتعمد على يد تلك العصابات.

وقليل منهم من جاد البحر بجثثهم ليعودوا لأوطانهم مرة أخرى ولكن جثثًا في صناديق، والبعض الآخر يكون البحر لهم قبرًا أرحم من حياة بطعم الموت عاشوها في أوطان لم تحترم إنسانيتهم.

إن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين خلال السنوات الخمس الأخيرة هم من النساء والأطفال الذين هربوا من ويلات الحرب في سوريا والعراق وغيرها من بلدان المنطقة التي تمزقها الصراعات، وطمعًا في مستقبل أفضل لأبنائهم وفرص أفضل للتعلم والعمل والاستقرار بعيدًا عن دائرة العنف السائد في بلدانهم.

لا يدرون ماذا يحمل لهم المتوسط من مآسٍ، فكثير من الأطفال الذين سافروا على متن تلك الرحلات بصحبة ذويهم نجوا بينما غرق الأب أو الأم أو الاثنان معًا، وربما تفرق كل فرد من أفراد الأسرة في بلد مختلف، وهناك مئات الأطفال في أوروبا عامة، وفي إيطاليا خاصة تم تبنيهم من قبل عائلات في تلك البلدان المضيفة بعد أن فقدت السلطات الأمل في استجابة أي من عائلاتهم في بلدانهم الأصلية لطلب استلامهم وإعادتهم لبلدانهم.

فأي مستقبل ينتظر هؤلاء الأطفال وأي نظرة سيحملونها تجاه ثقافتهم وأوطانهم؟

لقد ركب هؤلاء نعوشهم بأنفسهم هربًا من ماضٍ مؤلم في بلدانهم، وأملًا في مستقبل أفضل في بلد جديد يحتضنهم ويضمد جراحهم، لكن من عاش منهم عاش ليواجه حاضرًا أكثر إيلامًا من ذلك الذي عاش في وطنه.

فالحضارة لم تفتح له ذراعيها، ولا المجتمع الجديد زالت عنه نظرات الشك والريبة التي خلفتها سنوات من الاتهام بالإرهاب والتخلف الحضاري ومعاداة الآخر.

ولم يكن أمام هؤلاء المنبوذين من أوطانهم القديمة والجديدة سوى أن ينعزلوا في أحياء فقيرة تكتظ بالجريمة والعنف كي يستشعروا فقط دفء التشابه الثقافي، تحتضنهم بنايات مكتظة ومقاهٍ يسردون عليها واقعهم المؤلم.

إن من يتحمل مسئولية ما وصل إليه هؤلاء هم أولئك الذين أسكنوا شعوبهم المقابر والمخيمات، وجعلوا موائدهم عند صناديق القمامة لكي يبقوا هم للقصور سكانًا، ولموائدها ضيوفًا.

كثيرة هي المآسي التي عاش أصحابها ليرووها لنا، وكثيرة هي الحكايات التي غرقت مع أصحابها إلى الأبد على صفحة المتوسط .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد