نُفي رجلٌ مُعارض للنظام الحاكم خارج البلاد – وما أكثر ما حدث هذا في التاريخ – كانت لديه أراضٍ كثيرة، وحقول مليئة بخيرات الله من الثمار المختلفة، نُفي خارج البلاد وترك أولادًا لم يتعلموا الزراعة ولا فنّ الفلاحة، وستأفُل هذه الثمار والورود وستبور هذه الحقول المزدهرة خلال أيام قلائل، ولا يعلم الرجل ماذا يفعل وهو منفي خارج البلاد؟

رأى تاجرًا مصريًا كان مسافرًا إلى هذا البلد وسيعود بعد يومين، ففكر الرجلُ مليًا وكتب كتابًا بيَّنَ فيه كلَ شيء عن فنّ الفلاحة ورعاية الأرض وريّها وزرع النبات وحصده، وماذا يفعلون إذا حدث هذا، وكيف يتصرفون إذا حدث ذاك.

وضع الرجلُ خبرتَه كلَها في هذا الكتاب، وقال للتاجر: أناشدك الله، أن تأخذ هذا الكتابَ معك إلى مصر، وتسلمه لأولادي، فهو ملاذهم الوحيد في الدنيا، وهو سبيلهم للعيش، وإلا فسيعيشون حياةً بائسة، وسيسألون الناس إلحافًا، ولديهم من الأراضي الكثير، ولكنّ أحدًا منهم لن يستغلها ولن يزرعها إذا لم يقرأوا هذا الكتاب.

أخذ التاجرُ الكتابَ وعاد به إلى مصر، وسلّمه لأولاد هذا الفلاح الثري – أو الذي كان ثريًا – وقال لهم: إن أباكم يناشدكم الله أن تهتموا بهذا الكتاب، فبدونه لن تستطيعوا أن تعيشوا عيشة هنية، وستتسولون في الشوارع تسألون الناسَ المأكلَ والمشربَ واللباسَ، فاجعلوا هذا الكتابَ هاديًا لكم في حياتِكم ومرشدًا لكم في طريقِكم، ومُعلِّمًا لكم في أوقات جهلكم. اهتموا بما كتب أبوكم غاية الاهتمام، فبدونه ستهلكون، ففيه طريقة الزرع والري والحصد والحرث.

مضت السنون والأعوام، وتغير النظامُ في مصر، وهلك الظالمُ كما هلك الظالمون قبله، وعاد الرجلُ إلى بلدِه فرحًا، عاد ليفخرَ بأولادِه الذين أرسل لهم الكتابَ منذ أعوام. ولكنه حين عاد إلى بلدِه كانت الطرق قد تغيرت، ومبانٍ جديدة قد أٌنشئت، فأراد الرجلُ أن يستعينَ بشخصٍ مِن أهل البلد ليدله على بيتِه، فوجد ثلاثةَ أشخاص فقراء جالسين على قارعة الطريق يسألون المارَّة مالًا أو طعامًا، فألقى عليهم السلام، وقال لهم: أنا اسمي فلان، وكان لي بيت هنا، وأولادي هم فلان وفلان وفلان، فهل لكم أن تدلوني على الطريق، فقد تغيرت المعالم هنا كثيرًا؟ فقام هؤلاء الثلاثة وأخذوا يقبّلون الرجلَ ويعانقونه، فرحين بأن أباهم قد عاد من منفاه.

والرجل لا يفهم، لماذا يقبّله ويعانقه هؤلاء المتسولون! وما هي إلا ثوانٍ حتى قالوا: نحن أولادك، ألا تذكرنا؟

فقال: لا يمكن أن تكونوا أنتم أولادي، ولا يمكن أن تكونوا على هذه الحال، ألم يصلكم كتابي الذي قلت لكم اعتنوا به أشد العناية؟

قالوا: بلى وصلنا، واعتنينا به.

قال: وكيف هذا؟

قالوا: حفظناه عن ظهر قلب، ونحن جاهزون لأن تسألنا عن أيِّة عبارة فيه، وسنعيدها على مسامعك الآن، برقم العبارة، ورقم الصفحة، ورقم الفصل في الكتاب. بل إننا طبعناه في نسخة جديدة رائعة ملونة، أنفقنا عليها كل ما نملك، ووزعناه على أهل البلد كلهم، ولا يوجد بيت من بيوت هذا البلد إلا وفيه نسخة من هذا الكتاب. وضعناه في بيت كل شخص فينا ، وفي جامعاتنا، وفي مدارسنا، وفي سيارتنا.

ألا يكفيك هذا؟

صُدم الرجل صدمة خرّ على إثرها من شدة الحزن جثة هامدة!

ولا يزال أولاده يسألون: لماذا أصيب أبونا بسكتة قلبية بعد الذي قلناه! ألم نثبت له أننا اعتينا بكتابِه وحفظناه، وطبعناه ووزعناه في الجامعات والمدارس والبيوت والمكتبات؟

فهل أخطأنا في شيء؟

لا لم يخطئ الأولادُ في شيء سوى أنهم – فقط – لم يطبقوه.

لم يخطئ الأولادُ في شيء سوى أنهم فعلوا كل شيء في الكتاب، ولم يفعلوا الشيء الوحيد الذي كتبه أبوهم لأجله.

إنني لا أريد أن أقولَ إننا فعلنا في كتاب ربنا مثلما فعل الأولاد بكتاب أبيهم، فهو موجود في بيت كل مسلم، وفي كل سيارة، وفي كل مسجد. طبعناه نسخًا عديدة، منها أسودًا وأحمرًا وملونًا، ومنها ما هو ملون في لفظ الجلالة، ومنها ما هو ملون بأحكام التجويد، ومنها ملون بالسياق، ومنها مزخرف بالجمال.. عقدنا له المسابقات والاحتفالات لنرى أيّ الناس أكثر حفظًا له، فهذا شخص بارعٌ مجيد قد حفظ القرآن مجودًا، وهذا أبرع منه قد حفظ القرآن بقراءاته السبع، وذاك يحفظه برقم الآية، واسم السورة، ورقم الصحفة، ورقم الحزب، ورقم الجزء.. فما أجمل هؤلاء الحُفّاظ!

ولكن للأسف، فعلنا كما فعل الأولاد مع كتاب أبيهم، فهو أرادهم أن يطبقوه، ولم يأمرهم بأن يحفظوه، لم يأمرهم أن يقرأوه ليخرجوا من أجسادهم العفاريت، أو أن يضعوه في سياراتهم لحمايتهم من حوادث الطريق. نريد أن نقرأ القرآن على الأحياء لا على الأموات، نريد أن نقرأ القرآن ونسترشد به في الحياة، لا أن نقرأه في المآتم والعزاءات.

ونتيجة هذا التعامل صارت حالنا أبأس من هؤلاء الأولاد المتسولين، أضحينا أمةً عاجزة تستورد كل شيء، تستورد أكلَها وشربَها ولباسَها وعلومَها وسياراتِها ومصانعَها بل حتى أقلامَها التي تكتب بها، وأقول كما قال الشيخ محمد الغزالي: إنه لو قيل لكل شيء في البلاد الإسلامية: عد من حيث جئت. لخشيت أن يمشي الناسُ حفاةً عراة، لا يجدون – من صنع أيديهم – ما يكتسون، ولا ما يتعلمون، ولا ما يركبون، ولا ما يضيء لهم البيوت… بل لخشيت أن يجوعوا؛ لأن بلادهم لا تستطيع الاكتفاء الذاتي من الحبوب!

أقول: لا أريد أن أقول أننا في فعلنا في كتاب ربنا مثلما فعل هؤلاء الأولاد الحمقى، فهذا موضوع تقصر دونه الكلمات، ولو تحدثت فيه لَمَا سكتُ. ولكنني أريد أن أقول أننا فعلنا في كتب العلوم مثلما فعل هؤلاء الأولاد. فعلنا هذا مع كتب الفيزياء، والأحياء، والكيمياء، والرياضيات، وعلم الاجتماع وغيرها.. لقد كنت أقرأ عن البعثات العلمية التي أرسلها محمد علي باشا إلى أوروبا، أرسل إلى إيطاليا ثم بعد ذلك إلى فرنسا، كان الهدف من هذه البعثات العلمية هو نقل ما عند أوروبا من علوم إلى عالمنا العربي، لنتطور كما تطوروا، وننتج كما أنتجوا، وإلا سنعيش متسولين كهؤلاء الأولاد، لا نملك علمًا، ولا حضارة، ولا سلاحًا، ولا دواءً.

قرأت عن هذه البعثات التي – من المفترض – أن تجلب حضارة وفكر أوروبا العلمي وأسباب ازدهارهم إلى عالمنا. ولكن – للأسف – لم يحدث هذا، توصلت في قراءتي إلى حوالي 300 شخص سافروا من البلاد الإسلامية إلى أوروبا ليدرسوا، ولكن مِن هؤلاء جميعهم، لم ينقل علم أوروبا لنا، ولا فكر أوروبا لنا، إلا شخص واحد فقط وهو رفاعة الطهطاوي. ثم العجيب في هذا الأمر أن رفاعة لم يُرسل طالبًا ليدرس العلومَ في فرنسا، لقد أُرسل رفاعة مع البعثة ليكونَ واعظًا لهم وإمامًا في صلاتِهم، وخطيبًا لهم في جُمَعِهم وجماعاتِهم، ولكن هذا الفتى الأزهري حققّ ما لم يحققه أفرادُ بعثته جميعًا، فلا نعرف إنجاز شخص من هؤلاء الدارسين إلا رفاعة، هو مَن قاد النهضةَ في مصر الحديثة، لينقلَ لنا علومَهم ويترجم لنا كتبَهم، ويطالبنا بأن نستفيد من الجيد من أفكارِهم وثقافتِهم.

إن رفاعةَ الطهطاوي الذي لم يُرسل أصلًا للدراسة، كان هو الوحيد من بين أكثر من 300 شخص، المُنفِّذ لهذا الغرض، حتى أن بعثته صارت تُعرف باسمه هو.

لقد عاش الطلاب الذين سافروا إلى أوروبا مثلما عاش رفاعة، ودرسوا في جامعات فرنسا مثلما درس رفاعة، وتعلموا اللغة الفرنسية واختلطوا بالمجتمع مثلما تعلم واختلط رفاعة، ولكن أحدًا منهم لم تتغير أفكاره ولم يُفِد حتى نفسَه في شيء.

فمنهم من هرب بعد أن أنهى دراستَه في فرنسا ولم يعد إلى مصر، ومنهم من سُجن في فرنسا لأنه سرق مالًا، فتدخلت الدولة العثمانية وأطلقت سراحَه وعاد قسرًا إلى مصر، ومنهم من عاد إلى مصر واعتلى منصبًا جديدًا، فهو الدارس في فرنسا، وهو المتعلم في جامعات أوروبا، ولكن للأسف لم يحصد سوى شهادة ورقية وفقط.

سار على نهج رفاعة الطهطاوي النزر اليسير من المصريين، ولكن وبكل حسرة لم يساعدهم المجتمع في شيء؛ لأن المجتمع لا يريد شخصًا أن يتغير، هو يريدك أن تذهب إلى هناك، تعيش في مجتمع جديد، وسط ثقافة جديدة، وتكتسب علمًا جديدًا، ولكن إياك ثم إياك أن تتغير أو تتأثر بهذا قيد أنملة، ومَن تسول له نفسه أن يجلب هذا الفكر والمنهج إلى بلادنا ليغير حالها للأفضل، فسنقف له بالمرصاد ودوننا ودونه الرقاب. ألم يلق قاسم أمين من الويلات والسباب والإهانات ما الله به عليم؟ كل هذا لأن الرجل كان أقصى أمانيه أن تدرس البنات مرحلة الابتدائية فقط. ولكن كلا وألف كلا، فهو القادم من فرنسا الذي يدعو إلى السفور وفساد المرأة. ألم يلق طه حسين ما لقاه من التكفير حين استخدم منهج الشك الديكارتي الذي تأثر به في فرنسا؟ ألم يكفره الناس؟ ألم يخرج عليه الطلاب في مظاهراتٍ ووقف له شيوخ الأزهر بالمرصاد؟ نعم حدث هذا وأكثر، والأمثلة كثيرة، وما مثال علي عبد الرازق الذي سافر إلى أوكسفورد في إنجلترا منا ببعيد، فصادروا كتابه، وفصلوه من منصبه، وسحب الأزهرُ منه شهادتَه التي أعطاها له.

ولكني أقول: إن رجلًا واحدًا من هؤلاء لهو خير من الكثير الدارسين في الخارج الذين ليسوا إلا أشخاصًا ذهبوا ليحصلوا على ورقة، مكتوب فيها أن فلانًا تخرج من الجامعة الفلانية بعد أن درس التخصص الفلاني. أما عقله وفكره فهو كالأبله الذي لم يُحصل من العلم حرفًا واحدًا.

ومنهم مَن تفوق في مجاله أيما تفوق، ولكنه كهؤلاء الأولاد، حفظ العلم كما حفظوا هم كتاب أبيهم، فلا منهجًا علميًا تشبعت به عقولهم ولا أسلوبًا علميًا طبقوه في حياتهم. فهو الأستاذ النابغة صاحب الأبحاث العلمية الرصينة، ولكنه بمجرد أن يخرج من حرم الجامعة إلى الحياة العادية تجده يؤمن بالخرافة والأساطير والسفسطة والتقليد الأعمى والموروثات البالية والفكر السفيه كأي جاهل لم يدرس حرفًا واحدًا.

نعم سافروا معًا، ودرسوا معًا، وأنفقوا المال معًا، وعاشوا في المجمع معًا، ولكن الكثير منهم يفعل كل هذا بجسده فقط، أما عقله، فلا يزال في بلده لم يسافر ولم يتعلم ولم يتغير.

لا نريد أشخاصًا يحصلون على ورقة تخرج من أوروبا كما فعل أصدقاء رفاعة الثلاثمائة، والذي كان بعضُهم مثالًا قبيحًا وصورة مقيتة. وإني لا أرى فرقًا بين شخص يحفظ كتابًا في الكهرباء أو الذرة، ويحفظ المعادلاتِ حفظ الأطفال ليكتبها في ورقة الإجابة آخر العام، ويحصل على تقدير ممتاز، لا أجد فرقًا بين هذا وبين هؤلاء الأولاد، فالمشترك بينهم جميعًا هو الحفظ، فهذا يحفظ كتابًا في الفيزياء دون أن يتغير عقله ويتشبع بالمنهجية العلمية ولا التفكير العلمي، وإنما يحفظ الفيزياء حفظًا.. أقول: لا أرى فرقًا بين من يحفظ الفيزياء حفظ الأطفال ومن يحفظ القرآن حفظ الأطفال وبين هؤلاء الأولاد الذين حفظوا كتاب أبيهم حفظ الأطفال.. فهو فعلوا كل شيء إلا الهدف الأساسي من هذه الكتب.

نريد مئات ممن هم على شاكلة رفاعة وطه حسين وقاسم أمين وعلي عبدالرازق وزكي نجيب محمود وغيرهم.. نريد عقولًا تتغير وأفكارًا تنضج، لا أن يسافر الناسُ ليحصلوا على ورقةٍ ثم يعودون أدراجَهم، فلا فكرًا لهم تغيّر، ولا عقلًا لهم تشكّل، ولا ثقافةً جديدة اكتسبوا.

أجسادُهم في أوروبا وأمريكا، وعقولُهم في قريتِهم في مصر فكأنما عليها سياج يمنعها من التغيير والتفكير والتطور، هؤلاء كالأولاد المتسولين، حفظوا كتابَ أبيهم وظنّوا أنهم رعوه حقّ رعايته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد