يستعرض د. حازم الببلاوي الاقتصادي المصري، وأستاذ الاقتصاد في عدد من الجامعات الدولية في كتابه (النظام الاقتصادي الدولي المعاصر) المفارقة، والتناقض الذي يظهر في خطاب الحرية التي تتبناه دول العالم الأول الصناعية، وخاصة فيما يتعلق بحرية التجارة، وفتح الحدود، وإزالة الحواجز الجمركية على السلع، والمنتجات. فتلك الدول بفضل التطور التكنولوجي السريع بعد منتصف القرن العشرين تضاؤل احتياجها لعامل رئيس مهم في عملية الإنتاج، ألا وهو الموارد الطبيعية، مصدر المواد الخام الداخلة في عملية التصنيع، وبدأ الإنتاج ذاته يستغرق وقتًا أطول في مراحل أخرى كالتصميم، والتخصص التقني، والتسويق، والتي أصبحت تمثل القيمة الأعلى من قيمة المنتج النهائي، وليس المادة الخام.

نتيجة لذلك لم تعد الدول الصناعية الكبري – خاصة التي تفتقر إلى المواد الخام على أرضها – بحاجة إلى التوجه المباشر إلى دول العالم النامي الغني بالمواد الخام، وإحتلالها كما كان يحدث في أواخر القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين بغرض السيطرة المباشرة، واستغلال تلك المواد الخام في صالح خدمة صناعتها، وإنما أصبحت تلك الدول تعتمد على أساليب أخرى للتحكم بأكبر قدر ممكن في تلك الموارد، وتوجيها لصالحها دون اتباع الأساليب القديمة التي تعتمد على الحرب، والاستعمار، ومن أبرز تلك الأساليب هي التأثير في الأسواق المالية، وأسعار الصرف، والفائدة، وتحركات رؤوس الأموال، وبراءات الاختراع، وغيرها من مختلف الأساليب غير المنظورة، وغير المباشرة في سلوك الأفراد، والجماعات، والحكومات.

وترافق مع التطور التكنولوجي التقني في وسائل الإنتاج في الدول الصناعية مطالبة تلك الدول بقية دول العالم الأخرى، والتي تتخلف في التطور الصناعي باتباع سياسة حرية التجارة، والسوق الحر، وإزالة العقبات الجمركية، والإدارية أمام تداول السلع، والبضائع، وكان هنالك غرضان لدول العالم الأول الصناعي من وراء تلك السياسة، الغرض الأول يتمثل في اعتبار الدول الصناعية مجتمعات، وأفراد الدول النامية إنما هم سوق استهلاكي كبير لتصريف منتجاتها بداخله، أما الغرض الثاني فيتمثل في رغبة الدول الصناعية في بقاء فقراء الدول النامية من العمال داخل بلادهم، والحيلولة دون دخولهم إلى أراضيهم عن طريق الهجرة غير الشرعية، وذلك من خلال السماح للصناعات الناشئة في الدول النامية والتي توظف ملايين العمال الفقراء بتصدير منتجاتها إلى الخارج دون أى مصاريف جمركية تفرض عليها، وبذلك يدر عليها شكلًا من أشكال الدخل، يبقى هؤلاء العمال الوطنيون داخل أراضيهم.

ويظهر التناقض في دعوات الحرية التي تتبناها الدول الصناعية بشكل خاص على المستوى التجاري، والإقتصادي، وبشكل عام على المستوى السياسي، والإنساني، حيث تتبني، وتنادي تلك الدول بحرية إنتقال السلع، والمنتجات بين الدول دون فرض أي رسوم حماية جمركية على السلع الأجنبية قد تؤدي إلى عدم قدرة تلك السلع على المنافسة مع السلع المحلية، وفي المقابل، وبشكل متناقض تفرض نفس تلك الدول الكثير من القيود، والإجراءات الصعبة، والمعقدة على عملية حركة، وانتقال الأفراد من دول العالم النامي إلى أراضيها، حيث تعكس تلك السياسة رغبة قطاعات واسعة من مجتمعات الدول الصناعية الغنية في التقوقع على نفسها وبناء الحواجز أمام فقراء دول العالم النامي لمنعهم من المشاركة، وتقاسم معيشتهم، ورغبتهم في بقاء هؤلاء كمستهلكين يتم التعامل معهم عن بعد من خلال وكلاء محليين يبيعون لحسابهم.

ولم يعد المزاج العام في الإنعزال، والإنخراط في التعامل مع الفئات المحرومة، أو الأقل اجتماعيًا، أو تعليميًا هي سمة بين مجتمعات دول العالم الصناعي، ودول العالم النامي، وإنما تجاوزتها إلى داخل نفس الدولة بين فئات المجتمع الواحد، حيث لم يكتفى أبناء الفئات الأعلى دخلًا، والأعلى تعليمًا داخل الدولة بالعيش في المناطق الراقية بعيدًا عن أي تعامل، أو احتكاك مع الفئات الأقل، وإنما الأمر تجاوز هذا الحد إلى الرغبة الكاملة في الانعزال التام عن تلك الفئات، وذلك من خلال الحياة في مجتمعات مغلقة يحيطها الأسوار، وتتوافر بها جميع الخدمات الأساسية، والمتميزة بعيدًا عن المدن، والأحياء المفتوحة.

على الرغم من التطور التكنولوجي الذي أدى إلى رواج خطابات الحرية بشكل أكبر، وتبنيها من قبل الكثير من الأفراد حول العالم، والترابط الذي حدث في العالم نتيجة إزالة العقبات المادية في مشاركة المعلومات، والأفكار، والتوجهات إلا أن تلك التكنولوجيا لم تؤدى إلى حرية حقيقية، وإنما إلى حرية ظاهرية، أما واقعيًا فقد تم استخدام التكنولوجيا في التكريس لمزيد من الانعزال، والانفصال، وظهور مجتمعات افتراضية تتشارك نفس الاهتمامات، والأفكار، وأنماط الحياة، والتي في أغلبها مبني على أساس تقسيم طبقي، واجتماعي بين الأفراد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد