لو سألتك ما هو لون قميصك أو بشرتك أو سيارتك أو جدارك قد تقول لي قميصي أزرق أو متعدد الألوان أو شفاف وأن بشرتك بيضاء أو سمراء أو داكنة وأن سيارتك سوداء وجدارك بنفسجي على سبيل المثال لا الحصر، أنت هنا ستظن أنني فهمتك بشكل كامل، لكن ماذا لو أزرقك ليس نفس أزرقي؟ وأبيضك ربما ليس نفس أبيضي؟ ماذا لو كان عقلك يفسر الألوان بطريقة أخرى عكس طريقتي ماذا لو آن الألوان التي تراها أنت لا أراها أنا، وماذا لو كان لكل فرد منا في هذا الكوكب وهذا الكون ألوانه المحددة.

أحد أبسط الأمثلة على هذا تجدها عند مرضى عمى الألوان فمثلًا الأمريكي مارك زوكربيرج مؤسس موقع التواصل الاجتماعي الأول في العالم من ناحية المستخدمين موقع «فيسبوك» مصاب بعمى الألوان الثنائي حيث يرى الأحمر لون آخر، ولا يمكنه تمييز الأحمر فيراه بلون مختلف تمامًا، لكن في نفس الوقت أنت تراه أحمر فأنت بشري وهو بشري لكن عقلك يفسر العالم بطريقة ما عكس عقله المصاب بعمى الألوان الذي هو مرض عدم القدرة على تميز الألوان الذي يحدث إما بسبب خلل في شبكية العين التي هي طبقة العين الداخلية المكونة من عدة خلايا لا يتعدى سمكها الإجمالي ورقة كتاب ووظيفتها هي تحويل الأشعة الضوئية إلى نبضات عصبية بعدما تحسست الأطوال الموجية من الطيف المرئي المنعكسة عن الجسم أو في العصب البصري الذي هو عصب وظيفته نقل المعلومات الصادرة من الشبكية إلى الدماغ أو في أكثر الحالات خلل في مناطق من الدماغ المسؤلة عن ترجمة وفهم الرسالات العصبية الصادرة من العصب البصري.

ويمكن أن تصل خطورة المرض إلى أن يكون هناك من لا يميزون إلا لونين وهما الأبيض والأسود فقط فيصبحون وكأنهم يعيشون في فيلم قديم، فمن المعلوم أن الأجسام الجامدة غير المعززة بطاقة لا تصدر ضوءًا فمثلًا الموز الذي نأكله لا يصدر لون أصفر أو أخضر، بل لأن مع بداية تشكل الموزة كانت تمتص كل الأطياف الضوئية التي تحتاجها إلا اللون الأخضر فينعكس عليها وبعد مدة لا أعرف كم بالتحديد، لكن تدريجيًا تصبح تمتص الأخضر ولا تمتص الأصفر فينعكس عليها نحو المستقبل وفي حالتنا هي العين فنراها صفراء؛ لأنه ببساطة عقلنا حلل طول الموجي للضوء المرتد على أنه أصفر.

فهنا يمكن القول أن عقلنا هو السبب الأساسي في عدم تمكننا من تمييز الألوان مع أن هذا يبدو منطقيًا؛ لأن العقل هو مركز تجميع وتحليل المعلومات الواردة لكن بالقول إن العقل هو السبب فهذا يعني أن مفهوم الأصفر عندك هو نفسه مفهوم الأصفر عندي قد لا نختلف، فعندما أقول لك ما لون الموز قد تقول أصفر إن لم تكن مصابًا بعمى الألوان، لكن قد نختلف في مفهوم الأصفر فربما عقلي يترجمه لشيء وعقلك لشيء آخر ربما عقلي يترجمه لأخضر عقلك وأصفر عقلي قد يترجمه لأحمر عقلك أو نحن نرى ألوان مختلفة تمامًا، وهذا هو السبب الذي سوف يتركنا عاجزين عن معرفة جواب سؤالي الأول أو بصيغة أخرى هذا سيكون حاجزًا أمام معرفة هل نحن نرى بنفس الألوان أو ألوانك مختلفة عن ألواني.

ومن خدع العقل أن ما تستقبله العين يكون رأس على عقب أي معكوس فتذهب الإشارات عبر عصب البصري من العينين فيقوم العقل بتحليلها وعكسها ودمج الصورتين معًا فيشكل لك صورة مثالية لذلك المجسم مع أنها لم تصله هكذا صحيح أن الدماغ أرجع الصورة لحالتها الطبيعية، لكن هذا دليل على إمكانية العقل بالقيام بتغيير على الواقع الذي وصله من مدخلاته ومنها العين أو الأنف في حالة الشم.

ومجالات الهلوسة الجماعية ليست فقط عند الألوان، بل حتى في حقيقة المادة و الكون، ففي مقال قرأته على مجلة العلمي الأمريكي أو مجلة SCIENTIFIC AMERICAN بالإنجليزية تناول هذا المقال موضوع حقيقة ما نسميه بالواقع فقال الفيزيائي ماكس تيجمارك المهوس بمواضيع الواقع والمحاكاة والأكوان المتعددة في كتابه عالمنا الرياضي المنشور سنة 2014.

البروتونات و الذرات و الجزيئات و الخلايا و النجوم جميعها أمتعة زائدة عن الحاجة

وأن الجهاز الرياضي المستخدم لوصف سلوك المادة هو من المفترض أن يكون حقيقيا «فيرى ماكس» أن الكون عبارة عن مجموعة من الكيانات المجردة ذات العلاقات بينها ويرى أن المعلومات هي الوحيدة الحقيقية في النهاية وتسمى هذه الفكرة بالواقعية المعلوماتية أو information realism وهي فكرة فلسفية، لكنها إرتبطت بالفيزياء منذ البداية فحسب هذه الفكرة فكوننا موجود فقط لأننا ندركه كأنه هلوسة جماعية قد تختلف شكل هلوستك عن هلوستي كما في حالة الألوان.

فيرى الكثير من الفلاسفة والعلماء الذين يؤمنون بهذه الفكرة أن المادة هي وهم رغم صلابتها وأن المعادلات الرياضية هي الحقيقة وأن العالم المادي هو عالم موجود لتفسير هذه المعادلات الرياضية، وليس العكس كما يراه غالبية الناس حيث أنت في الأغلب تجد الفيزياء والرياضيات موجودة لتفسير عالمنا لكن ماذا لو عالمنا في حد ذاته موجود لتفسير النظام الرياضي؟ مع أن هذه الفكرة لا زالت وليدة لكنها تصنع لنفسها مكانًا وهناك فرضية أخرى يجرى عليها الكثير من الأبحاث هي هل نحن نعيش في محاكاة؟

فتخيل معي هذا السيناريو، يتم تخديرك من قبل كائنات متطورة وينزعون عقلك ويصلونه بحاسوب متطور قدرته كالحاسوب الكمومي ويصل مستقبلاتك كلها به ويضعونه في محلول عضوي وقاموا ببرمجة كل شيء ستعيشه حتى الأشكال وحتى الكون كله، لكنك لن تعرف أبدًا هل أنت داخل محاكاة أو لا وانشر هذه الفكرة على الكل، فيكون كل البشر داخل محاكاة ومن أشهر الذين يدعمون هذه الفرضية هناك الجنوب الأفريقي الأمريكي صاحب شركة «spacex وtesla» ومؤسس «paypal» والفيزيائي إلون ماسك وعالم الفيزياء الفلكية نيل ديغراس تايسون والفيلسوف نيك بوستر من جامعة إكسفورد وعالم الكونيات ستيفن هوكينج… إلخ من العلماء والباحثين.

ففي الأخير سأختم كلمتي بأن حقيقة الواقع لن نعلمها أبدًا لأنه لو أردنا معرفتها فعلينا النظر خارج الصندوق ونحن بعيدون جدًا عن هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد