تبرز بين الحين والآخر إشارات ودعوات للمصالحة والأصطفاف مع الإخوان المسلمين في مصر، والذي سرعان ما يتلقفه بعض المحسوبين علي التيار المدني، سواء من ليبراليين واشتراكيين وشيوعيين وغيرهم، والذي لا يخفي علي البعض أنهم ممن ساندوا الإخوان في سرقة ثورة ٢٥ يناير (كانون الثاني) المجيدة، وما صاحبها من خيانة الإخوان لها، بل سفك دماء من شاركوا فيها خلال فترة شهر العسل مع المجلس العسكري، وفترة حكم الإخوان المحدودة، والتي لم تستمر إلا عامًا واحدًا فقط، وهي لم تكن مفاجئة لأحد، وسبق أن توقعتها في حديث للتلفزيون الأمريكي يوم ٢٩ يونيو (حزيران) ٢٠١٢ عقب إعلان فوز محمد مرسي بالرئاسة.

ولكن ما يغفل هؤلاء المطبلين عن الوعي به هو أن الإخوان دأبوا منذ وصولهم إلى السلطة إلى محاولة تزيف الحقائق والادعاء بأنهم جزء من ثورة ٢٥ يناير، وعن طريق الإلحاح بهذه الفكرة يحاولون أن يزيفوا حقائق التاريخ المصري الذي كنا من معاصريه، والوعي السياسي للشعب، والذي أصبح يردد بدون وعي هذه الأكاذيب على أنها حقائق، وبذلك يهدف التنظيم إلى لعب دور وأخذ مساحة أكبر من حجمه في محاولة لفرض أجندته السياسية، وإخضاع الشعب للسمع والطاعة، وللأسف هؤلاء من يساعدونهم على ذلك لا يمكن اعتبارهم أبرياء من تلك المحاولة الدنيئة للتزوير.

علي الرغم من القدرات المالية الضخمة التي يمتلكها الإخوان والآلة الإعلامية المتشعبة التي يديرونها، سواء من إسطنبول أو لندن أو نيويورك أو حتي عن طريق القنوات المتحالفة معهم، مثل الجزيرة من قطر أو التلفزيون العربي من لندن، والتي في مقابلها لا يمتلك أي من التيارات المدنية أيًّا منها؛ مما يجعلهم يلهثون وراءهم من أجل الظهور الإعلامي ومصالح أخرى، فقد ظهر حجم الإخوان الحقيقي في الشارع المصري، والذين حاولوا استغلال فرصة رفع قيمة التذاكر الخيالي لركوب المترو (زيادة بنسبة ٢٥٠%؜) في القاهرة الكبري، وعن طريق الفيديوهات التي بثتها قناة الجزيرة لم يستطيعوا تحريك أكثر من 30 راكب في محطة حلوان، وأقل من 20 في محطة المرج وهي لمن يعرفون القاهرة الكبرى جيدًا هي من معاقل الإخوان الضخمة وذات كثافة سكانية عالية ولو كان حجمهم كما يصورون ويصدقهم بعض المضللين سياسيًا من الليبراليين والاشتراكيين لكان الاحتجاج أكبر من ذلك بعشرات وربما مئات المرات.

واللطمة الثانية جاءت للإخوان عند الدعوة للإضراب عن ركوب المترو من ١١ إلى ١٥ مايو (أيار) ومرة أخرى فشل الإخوان فشلًا ذريعًا في تحريك المواطنين، والمؤشر الآخر الذي أظهر ضآلة تأثير الإخوان اليوم على الساحة المصرية، وهو نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وسقوط عشرات القتلي في غزة والتي فشلوا في تحريك الشارع في مصر أو أي مكان بخلاف قيام حماس بتحريك الشارع في غزة وهذا أمر متوقع بالطبع وقضية القدس تحديدًا كانت مركزية في خطاب الإخوان التعبوي للحشد، وهم طالما من غنوا وهتفوا (على القدس رايحين شهداء بالملايين) ولكن مرة أخرى انفض الشارع من حولهم ولم يعرفهم أي اهتمام.

علي الرغم من تلك المؤشرات إلا أن من يروجون للاصطفاف والمصالحة لا يعلمون بالضبط على أي أساس وما هو الاتفاق، سوى أننا نراهم يزينون قنوات الإخوان وحديثهم فارغ من أي مضمون، سوى الصراخ والعويل وترديد شعارات جوفاء بدون أي مضمون، ونقول لهم: ما هو الأساس؟ أما الاصطفاف في مفهومهم، فهو التسليم للإخوان والتسبيح بحمدهم؟ الساحة السياسية للأسف تخلو من العقلاء، ولكن ممتلئة «بالجعارين المهللين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد