تكاد تهتف ميادين بلادي بأعلى حِسّ:

«في بيتنا دسيسة، في بلادنا مؤامرة»..

دسيسة يَعشقها قومي، تَتشوه بها أرففُ نُخبتهم.. يَقرؤون عَنها، ويَكتُبون لها وهُم صَاغِرون..

ولكني مثلي كمثل قلة قليلة.. لم ولن أصنفها يومًا دَسيسَة.. بل أراها جاثومٌ مُصيب قومي بشللٍ يَبلُغ من الدَّمامة ومن ضيق الأنفُس حدًّا ييأس منه الأمل ويتَعذر معه النهوض..

بكل مرَّة أتجول بأزقة مَعارض الكتب ببلادي أرى صفحات تَتحدث عنه. بالأيادي وعلى الأرفُف وبين الكتب المُبعثرة.

إنه بكل مَكان..

يجيد التلون كالحِرباء.. يظهر تارة بثوب المؤامرة اليهودية الماسونية، وتارة أخرى بثوب الفضائيين ذوي الأربع صُناع الأهرامات المُلزمين بالتجسس علينا ليل نهار حتى يتسَّنى لهم قيادة العالم في الخفاء.

لكي أكون مُنصفًا، يجب أن أقول أن قيادة العالم بالخفاء ليست من تكالييف صُناع الأهرامات فقط أو حتى اليهود فقط، بل يُلزم بها الشيطان الأعظم: أمريكا، وبعض ساكني الكهوف، ومثلثات البحار.. والباقي يُتولاه إبليس وأتباعه من السحرة والجان.

إنها بكل مكان.. إنها بنفوس الجميع.

بحديث أصدقائي الودود، وبجلسة أقاربي البغيضة.. بالقهوة، بالكلية، بالمدرسة، بالعمل، بالأنشطة التطوعية وعند الطبيب. أمل ألا أراها بالخلاء أو (بالشيشة).

الجميع هنا عجزه مُصابون بنَوع جديد من البارانويا، نوع ليس موجود في التَصنيف الدولي للاضطرابات النفسية والسلوكية. أعتقد أنه بالقريب العاجل ستضيفه (منظمة الصحة العالمية) كمرض خاص بأبناء قومي فقط.

حينها سيضعون لافته على مدخل بلادي مَكتُوب عليها:

«أهلًا بكم بمَثوى الدسائس، رجاءً كن لطيفًا، هنا عنابر العزل الخاصة بمرضى (نظرية التوهم)».

من باب عدم العُنصرية ضد مرضى قومي أذكر هنا أن اِعتقادي بزيف نظرية التوهم (نظرية المؤامرة) لا ينفي وجود مُؤامرات تحدث بكل مكان بالعالم، سواء كانت عظيمة أو حتى تافهة.. الكل بهذا الكوكب يتآمر على الآخر.

الساسة يتآمرون على بعضهم البعض ليصعد بعضهم فوق الأخر وأعينهم دائمًا على المنصب وأحيانًا المال.

لنقف هنا قليلًا..

إنهم لا يتآمرون على بعضهم لمُجرد التآمر. وإنما يَتصرفون هكذا كنتيجة لأهوائهم وأنفسهم.

الاقتصاديون والتجار يتآمرون على المُستهلك بتَرويج زائف، ليس لخداع الُمستهلك ذاته، وإنما رغبةً لإعلاء شأن أنفسهم، هم لا يكترثون بك من الأساس. حتى أنت.. تتآمر على زملائك بالعمل لترتقي فوقهم..

كلنا هنا متآمرون.. كلنا هنا مَكرة عَجزة على رؤوسنا تيجان مطرزة بألاف السنين من إِستِذْلال.. سبقها تيجان من العظمة، جحدنا صنعها بأنفسنا وكلفنا مُذلنا بصنعها..

ولو أنَّ بلادي ظلت قوية ومتحضرة.. ستتآمر أيضًا على الكل لتبقى في خانة المُسيطر.. هي مُعادلة بسيطة.. العلاقة الدائمة والحقيقية بين القوي والضعيف.. حقيقة سلامتها لا تقل صوابًا عن حقيقة العلاقة بين شحنات التجاذب والتنافر المغناطيسية. القوي لا يرى الضعيف، القوي يرى نفسه، بينما الضعيف لا يرى إلا القوي.

يتجلى ذلك بوضوح إذا ألقينا نظرة على الثقافة الأمريكية ونظرتها إلى المؤامرة. الجميع يعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأولى بالعالم.

ولكن.. ماذا إذا اعتبرها مواطنوها ضمنيًا طرفًا ضعيفًا؟.. أين يوجد الطرف القوي؟

بالطبع يوجد بخارج الكوكب. ولذلك تجد أن كثيرًا من الشعب الأمريكي يؤمن بوجود الأطباق الطائرة، تتحدث عنها صحفهم وأفلامهم الوثائقية. بل أتذكر أني قرأت يومًا خبرًا محتواه يقول إن الرئيس الأسبق باراك أوباما على اتصال مع كائنات فضائية، وأن الحكومة الأمريكية تخفي ذلك عن الشعب الأمريكي.

هل تصدق ذلك؟! بالأمريكاني: are you kidding me?!

صحيح أن معظمهم يراها تراهات، ولكن المعنى موجود ببعض ضمائرهم.

كلنا إذًا نبحث عن من نُبرر من خلاله هفواتنا.. نبحث على شيء يجعل بحياتنا نوع من الأثارة والمعنى الزائفين.. شيء يُضفي عليها نوعًا من الأهمية، حتى ولو كان هذا الشيء نقطة ضعف نراها جميلة لأنها غير مؤذية بطريقة مباشرة.. ولكن تأثيرها لا يدمر أفرادًا، بل يدمر أجيالًا!

نحب أن نكون نافعين، ولكن حسبك! ففائدتنا لا تقع بسبب الآخرين، هكذا هي.. هكذا نضع رؤوسنا بالتراب دومًا.. ولكن الحقائق المبكية تقول إن الباكتيريا أنفع منا كثيرًا في هذه الأحيان.

أما هناك، في الركن البعيد العالي – علينا – بالولايات المتحدة يوهمون أنفسهم بالأطباق الطائرة لعدم وجود طرف أقوى على الأرض منهم. أما نحن.. فنستمر برؤية أن المشكل بأمريكا واليهود وبعض الجماعات السرية.

نرى أن الأمريكان هم من يتحكمون بنا، وبدورهم يرون إنهم تحت سطوة كائنات غامضة من خارج الكوكب.

أتمنى ألا يقرأ حمقى قومي السطور الأخيرة ويستحضر من عقله مقولة رالف تشاريل التي تقول نصًا: «عليك التفكير باستقلالية لاعب الشطرنج وليس قطعة الشطرنج»!

يا قومنا، أفيقوا، لسنا قطع شطرنج، نحن بشر لنا أرادة حرة مثلنا مثل لاعب الشطرنج.. عفوًا ..أقصد مثل البقية…

نحن من نجتمع سرًا وجهرًا، نحن من نفوض وننتخب، نحن من نُصفق ونُفرق، نحن من نَحرص على إبقاء الوضع هكذا.. فدمنا متآمرين على أنفسنا.. ولتحيا ظلمات بلادي ما دمنا هكذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد